يُعد المخرج كوينتين تارانتينو واحداً من أبرز عشاق السينما في العصر الحديث، وهو لا يكتفي بصناعة الأفلام بل يسعى إلى الحفاظ على تجربة العرض السينمائي التقليدي بكل تفاصيلها. في زمن يسيطر فيه الرقمي والمنصات الرقمية على صناعة الترفيه، قرر تارانتينو أن يمتلك قاعتين سينمائيتين تاريخيتين في لوس أنجلوس ليحولها إلى معارض للفيلم الحقيقي. هاتان القاعتان هما دار نيو بيفرلي سينما (New Beverly Cinema) ودار فيستا ثياتر (Vista Theatre).
يشتركان في الالتزام الصارم بعرض الأفلام على شرائط الفيلم التقليدية فقط، ويرفضان التقنية الرقمية تماماً، ويعكسان فلسفة تارانتينو الذي يرى في السينما تجربة جماعية حية لا تُستبدل. اشتراهما لإنقاذهما من الاندثار أو التحويل إلى مشاريع تجارية، ويُدير برمجتهما بنفسه مستخدماً مجموعته الشخصية الضخمة من الشرائط والمقاطع الدعائية القديمة.
1. دار نيو بيفرلي سينما (New Beverly Cinema) – لوس أنجلوس

يعود المبني إلى العشرينيات من القرن الماضي (1929 تقريباً)، وكان في البداية يُستخدم لأغراض تجارية متنوعة (منها متجر نبيذ). لم يتحول إلى قاعة سينما إلا في الخمسينيات. شهدت الدار تحولاً جذرياً في عام 1978 عندما اشتراها شيرمان تورغان (Sherman Torgan) وأعاد افتتاحها كـ«دار نيو بيفرلي» بعد أن كانت تعرف باسم «إيروس» (Eros) وكانت تعرض أفلاماً إباحية في السبعينيات. حوّلها تورغان إلى دار إعادة عرض (revival house) متخصصة في الأفلام الكلاسيكية والـ«cult» والأفلام النادرة، وأصبحت رمزاً لعشاق السينما في لوس أنجلوس. استمر تورغان في إدارتها حتى وفاته عام 2007، ثم تولى ابنه مايكل تورغان الإدارة.
بدأ تارانتينو دعم الدار مالياً منذ سنوات قبل الشراء الرسمي، حيث كان يدفع 5000 دولار شهرياً لشيرمان تورغان للحفاظ عليها. في ديسمبر 2007 اشترى المبنى كاملاً لإنقاذه من التحويل إلى متجر تجاري أو مشروع عقاري. بقي الشراء سراً لسنوات، ثم تولى البرمجة الكاملة والإدارة الفعلية في سبتمبر/أكتوبر 2014 بعد مرور عشر سنوات كراعٍ. يصف تارانتينو هذا المشروع بأنه «استثمار فخور» لا يطلب منه عوائد مالية، بل يهدف إلى الحفاظ على فن عرض الفيلم على الشريط التقليدي.
قوانين وسياسة القاعة:
- السعة: حوالي 228 مقعداً.
- التقنية: تعرض الأفلام حصرياً على شرائط 35 مم (وبعض الأحيان 16 مم)، ولا تستخدم التقنية الرقمية أبداً.
- البرمجة: عروض مزدوجة (double features)، عروض منتصف الليل، برامج استعادية نادرة، مقاطع دعائية قديمة قبل الفيلم، وكارتونز صباحية يوم السبت.
- القواعد الصارمة: ممنوع استخدام الهواتف المحمولة تماماً (يُطرد المخالفون فوراً).
- تُعتبر آخر دار تجارية من نوعها في لوس أنجلوس مخصصة للأفلام الكلاسيكية والـ«cult».
ما يُعرض فيها (النشاط الحالي حتى أبريل 2026)
تُعرض أفلام تارانتينو الخاصة بانتظام في عروض منتصف الليل يوم الجمعة، مثل Kill Bill: The Whole Bloody Affair (النسخة الكاملة المدمجة)، Reservoir Dogs، وPulp Fiction. يستخدم تارانتينو مجموعته الشخصية الضخمة من الشرائط.
في أبريل 2026 (الشهر الحالي) فتقدم استعراضاً واسعاً لأعمال المخرج ويليام بودين (William Beaudine) يشمل أفلاماً صامتة مع موسيقى حية، أفلام «ما قبل الكود» اللامعة، وكنوز نادرة، بالإضافة إلى أفلام كلاسيكية مثل Casablanca، أفلام غربية لدين مارتن، أفلام مبارزة (swashbuckling)، وعودة نادي الكارتون الصباحي. تشمل البرامج اليومية أيضاً The Exile وThe Prisoner of Zenda (1937).
2. دار فيستا ثياتر (Vista Theatre) – حي لوس فيليز، لوس أنجلوس

افتُتحت الدار في 9 أكتوبر 1923 تحت اسم «لو بارد بلايهاوس» (Lou Bard Playhouse)، وكانت تعرض أفلاماً أولى الإصدار مع عروض الفودفيل. بُنيت على موقع مشهد «بابل» الشهير من فيلم دي. دبليو. غريفيث Intolerance (1916). مرت بأسماء عدة: Bard’s Hollywood Theatre وVista Continental. اشتراها لانس ألسبو (Lance Alspaugh) عام 1997 وأعاد افتتاحها كجزء من سلسلة Vintage Cinemas. أُغلقت خلال جائحة كوفيد-19 ولم تُعاد فتحها رغم إعادة فتح معظم دور السينما، مما جعل مصيرها مهدداً.
أعلن تارانتينو شراءها في يوليو 2021 خلال بودكاست «Armchair Expert». أعيد افتتاحها رسمياً في 11 نوفمبر 2023 بعد تجديدات شاملة. اشتراها ليُكمل مشروعه في نيو بيفرلي، وليضمن وجود دار تعرض الأفلام الجديدة (first-run) على شريط فيلم حقيقي، مع الحفاظ على الطابع التاريخي والتجربة الجماعية.
قوانين وسياسة القاعة:
- السعة: حوالي 400 مقعد (بعد تقليص المقاعد الأصلية لتوفير مساحة أكبر للأرجل).
- التقنية: تعرض الأفلام حصرياً على شرائط فيلم (أضافت نظام عرض 70 مم جديداً ونظام صوت متطور).
- البرمجة: مزيج من الأفلام الجديدة والبرامج الاستعادية، ولا تتبع القاعدة الصارمة للإعادة فقط مثل نيو بيفرلي.
ما يُعرض فيها وميزاتها الخاصة
تحتوي على نادي سينما أرشيف الفيديو (Video Archives Cinema Club): غرفة عرض صغيرة خاصة (20 مقعداً فقط) مخصصة لعروض خاصة باستخدام أشرطة VHS أو شرائط 16 مم من مجموعة تارانتينو الشخصية. مستوحى من نوادي السينما التي كان يزورها في باريس. يُدير تارانتينو برمجتها بنفسه. أعادت فتحها بعرض خاص لفيلم True Romance (1993) الذي كتبه تارانتينو. تُركز على التجربة الجماعية والحفاظ على الطابع التاريخي للمبنى.
وأخيراً..
امتلاك تارانتينو لداري نيو بيفرلي وفيستا ليس مجرد استثمار تجاري، بل هو موقف ثقافي جريء يدافع عن روح السينما التقليدية في مواجهة التحول الرقمي. من خلال هاتين القاعتين، يحافظ على فن عرض الفيلم على الشريط، ويُعيد إحياء البرامج الاستعادية النادرة، ويوفر للجمهور تجربة سينمائية أصيلة لا تُكرر. نيو بيفرلي تمثل التراث الكلاسيكي البحت، بينما فيستا تفتح الباب أمام الأفلام الجديدة مع الحفاظ على الجوهر نفسه، وانا شخصيا زرت احدى القاعات عندما كنت في لوس انجلوس عام 2015.
في أبريل 2026، ومع الاستعراض الواسع لأعمال ويليام بودين واستمرار العروض اليومية، تثبت هاتان الداران أنهما ليستا مجرد قاعتين سينمائيتين، بل هما جزء حي من تاريخ هوليوود ومستقبلها. إذا كنت من عشاق السينما الحقيقية، فإن زيارتهما في لوس أنجلوس أصبحت ضرورة لا غنى عنها. تارانتينو لم ينقذ قاعتين فقط؛ بل أنقذ جزءاً من روح السينما نفسها.


أضف تعليق