هامنيت من إخراج كلوي تشاو، يبدأ رحلته بوعد بسيط ينبعث من أعماق الروح: “أبقِ قلبك مفتوحًا”. وبحلول نهايته، بعد ساعتين من الغوص في عوالم عاطفية، يكون ذلك القلب قد تحطم، ثم رُمم، ثم انصدع مرة أخرى بطرق تبدو إنسانية بعمق وسينمائية بكثافة. هذا العمل المقتبس من رواية ماغي أوفاريل الأكثر مبيعًا لعام ٢٠٢٠، والتي شاركت الكاتبة نفسها في صياغة السيناريو مع المخرجة، ليس مجرد إعادة تجسيد لقصص شكسبير أو نظرة خلف الكواليس على كيفية كتابة مسرحية “هاملت”؛ بل هو تأمل حسي عميق في الأبوة، والفقدان، والكيمياء الغامضة التي تحول المأساة إلى فن خالد. إذا كان فيلم “نومادلاند” (Nomadland) يمثل انجراف تشاو الروحي عبر أمريكا مليئة بالحنين الهادئ، فإن “هامنيت” هو غوصها في أعماق عاطفية، حيث تتدفق مشاعر الرغبة، والحزن، والحب، والغضب بين زوج وزوجة، وصولًا إلى استعراض مذهل لما يمكن للفن أن يصنعه من رماد الفقد.

تدور القصة حول ويليام شكسبير (بول ميسكال) وزوجته أغنيس (جيسي باكلي)، في ستراتفورد-آبون-آفون، بدءًا من لقائهما وقصة حبهما المتوقد، مرورًا بإنجاب ثلاثة أطفال، وصولًا إلى المأساة الكبرى: وفاة ابنهما هامنيت في سن الحادية عشرة بسبب الطاعون عام ١٥٩٦. الفيلم يتجذر في التكهنات التاريخية، لكنه لا يبدو تخمينيًا أبدًا؛ إنه يتخيل كيف يمكن لوفاة الابن الوحيد أن تكون قد شكلت ولادة “هاملت”، حيث يُعتبر الاسم “هامنيت” قريبًا جدًا من “هاملت”. ومع ذلك، ترفض تشاو بحكمة تحويل هذا إلى قصة أصل “أنيقة”؛ فهذا ليس فيلم “شكسبير عاشقًا” (Shakespeare in Love)، وليس رحلة للبحث عن تلميحات متعمدة لمسرحياته المستقبلية. هناك إيماءات صغيرة، مثل تدوين ويل لأسطر مبكرة من “روميو وجولييت” بعد قبلته الأولى مع أغنيس، أو تمثيل الأطفال لأدوار الساحرات من “ماكبث”، لكن لا شيء من هذا يشبه. يستمد الفيلم قوته من تلك المساحة الفاصلة بين النية والاستجابة، بين الخلق والنتيجة، بين زوج وزوجة يحبان بعضهما، ولكنهما عاجزان عن دخول طريق عاطفي واحد.

من أبرز سمات نهج تشاو هو معاملتها للحزن ليس كنقطة انطلاق للحبكة، بل كبيئة حيوية كاملة. تصبح وفاة هامنيت المحور الذي يدور حوله الفيلم، لكن تشاو لا تستغل المأساة أبدًا؛ فهي لا تنغمس في الشجن، بل تراقب، وتنصت، وترصد كيف تعيد العائلة ترتيب نفسها حول غياب ما. كيف يتخذ الصمت أشكالًا جديدة، وكيف يصبح الحزن لغة يتحدث بها الوالدان بشكل مختلف حتى وهما يصفان الحدث ذاته. هذا فيلم يدرك أن إنجاب طفل يعني أن تضع قلبك داخل جسد شخص آخر، وأن فقدان طفل يعني أن يبتلع العالم ذلك القلب. تتحقق تشاو من ذلك عبر معاملة كل فصل في العلاقة الرومانسية بين ويل وأغنيس كعالم بحد ذاته؛ حاضر حقيقي بلا مستقبل مكتوب سلفًا. في الجزء الأول، يلتقي المعلم ويل وأغنيس وسرعان ما يقعان في شباك السحر؛ حيث تبدو الغابة البدائية متناغمة مع هالة الاستقلال التي تحيط بأغنيس “الساحرة”. وإلى حد ما، تبدو القصة مألوفة كحكاية حب محرم رغم رفض العائلة (والدة ويل: إميلي واتسون في دور مهيب)، لكن ميسكال وباكلي يشعلان ببراعة إحساس الانجذاب غير المنضبط. يجعلك الفيلم تصدق أن ويل الذي يدرس الشعر الريفي وأغنيس التي تروض الصقور، مرتبطان للأبد ومستغرقان في كل لحظة معًا، بينما تخلق تشاو ومدير تصويرها لوكاش زال عبر اللقطات الطويلة والصمت إحساسًا بالزمن المعلق.
وسرعان ما تكبر العائلة؛ يصبح ويل وأغنيس والدين، أولًا لابنة ثم لتوأم، حيث ينتقل تصوير زال إلى الداخل ليجعل من مسكنهما الذي يشبه العلية وكرًا منزليًا دافئًا. يضفي الأطفال طاقة عفوية على الأسرة، ويصبح ويل منشغلًا بكتاباته المتأخرة. وبالنظر إلى موضوع الفيلم، كان السرد متحفظًا نسبيًا بشأن هوية ويل حتى تلك اللحظة، لكنه يبدأ في قضاء وقت أطول في لندن، مما يخلق صراعًا زوجيًا يشبه قلق التوازن بين العمل والحياة في العصر الحديث، وقد أُسقِط على العصر الإليزابيثي. تصبح غيابات ويل أمرًا جسيماً مع مرض إحدى التوأمين، جوديث، ثم انتقال المرض إلى شقيقها هامنيت كما لو كان عبر عملية نقل مقصودة. هنا يعود الجانب الروحاني في الفيلم للظهور مع رحيل هامنيت، بمشهد يتخيل الصبي وهو يخطو عبر عالم اخر، في مكان ما بين الحياة والموت، وحيدًا تمامًا بشكل مؤلم لأي عين ابويه. ما يتبع ذلك هو موجات من الغضب والحزن وذنب الناجين، حيث تصب أغنيس جام غضبها على ويل لكونه بعيدًا أثناء مرض الصبي. في هذه المرحلة، تبدأ كلمات شكسبير في الانسياق داخل النسيج العاطفي للفيلم؛ فترافق لقطة شاهد قبر هامنيت مقتطفات عن الزمن والموت، تُقرأ عبر تعليق صوتي.
لكن في مشهد التدريبات، الذي يظهر فيه ويل وهو يكرر مونولوجًا من “هاملت” بشكل يبدو كأنه عقاب للذات، نحصل على لمحة عن الكيمياء النفسية والإبداعية التي تجري. من المستحيل وصف ما يفعله الفيلم بشكل كامل دون وصف تتابعه الختامي، حيث تحضر أغنيس إنتاج زوجها لمسرحية “هاملت” في مسرح “غلوب”، بدافع الفضول الذي يغذيه الاستياء المكتوم على ما يبدو. تُصدم أغنيس لأن اسم ابنها هو المحور المركزي للمسرحية (إذ يوضح نص تمهيدي أن “هامنيت” و”هاملت” هما اسمان لنفس الأصل)، وتصبح هي وعاءً قويًا، مشككًا وساذجًا في آن واحد، لفن المسرحية. (تصرخ في البداية في الممثلين على المسرح: “ما علاقة كل هذا بابني؟”). تمضي تشاو لتوضيح كيف يقوم الفن بتوجيه عواطفنا، في مشهد يذكرنا بفيلم (Drive My Car) للمخرج هاماجوتشي ريوسوكي عام ٢٠٢١. يساعد في ذلك أن ويل كتب أحد أعظم النصوص عن الموت والحياة، ولكن مرة أخرى، يكمن جزء مما حققته تشاو في الشعور بأن كل ذلك نشأ بشكل غريب، وأن أغنيس ورفاقها من رواد المسرح العاديين يتعرفون بالفعل على أنفسهم في الدراما للمرة الأولى. ويُحسب لباكلي قدرتها على أداء مشهد قد يبدو على الورق مبتذلًا (أو تبجيلًا لموهبة زوجها). “احكِ لي قصة”، تطلب منه في بداية تعارفهما، وفي النهاية يظهر الفيلم بقوة مدى حاجة ويل وحاجتنا جميعًا لسماع تلك القصة أيضًا.

الكثافة العاطفية ترتكز على أداء مذهل من جميع طاقم العمل. إذا طلبت مني تسمية اثنين من أفضل الممثلين الشباب اليوم، فسأقول فورًا: بول ميسكال وجيسي باكلي. لقد أثبتا مرارًا وتكرارًا قدرتهما على الوصول إلى حقيقة عاطفية تبدو وكأنها تخاطر روحي. باكلي وميسكال مذهلان هنا؛ فالحزن الذي يترقرق في عيونهما، والألم الخام الذي يرتجف في أصواتهما، والطريقة التي تحمل بها أجسادهما ثقل فجيعة لا تترجمها الكلمات، كلها تبدو وكأنها انتُزعت من أعمق زوايا التجربة المعيشة. تقدم باكلي أداءً يحطم الروح واصنفه الأفضل في مسيرتها؛ هناك شيء “فطري” في الطريقة التي تحزن بها، فهي رقيقة، ووحشية، وحدسية، ومنهكة، وغير قابلة للكسر، كل ذلك في آن واحد. أما ميسكال، فيواصل سعيه الحثيث في تجسيد الرجال الأكثر حزنًا وانكسارًا على وجه الأرض، وقد يكون هذا العمل هو “تحفته الكبرى”. إن شكسبير الذي يقدمه ليس عبقريًا أسطوريًا، بل هو رجل ذو كبرياء مجروح وحب هائل، يثبت عجزه عن إنقاذ من يعزهم. وحتى في غيابه، يُحس بوجوده في الإيماءات الهادئة، وفي وجع الرسائل غير المكتوبة، وفي الخوف من فقدان العائلة التي يشتاق إليها ولكنه لا يستطيع البقاء بجانبها. ولا ينتهي التميز عند الكبار، فقد قدم جاكوبي جوب واحدًا من أفضل أدوار الأطفال في الذاكرة الحديثة؛ هناك وضوح في عينيه، وشجاعة لطيفة في خياراته، و الادوار المساندة كانت قوية بلا شك من إميلي واتسون وجو ألوين تضيف طبقات إضافية من العمق.
حرفة تشاو السينمائية دقيقة كعادتها؛ فهي تدير كل مشهد بحدس محكم. الإيقاع غير متسرع، مما يسمح للحظات بأن تتفتح ببطء، وبشكل “اجواء خاصة” تقريبًا. سينماتوغرافيا لوكاش زال تخطف الأنفاس؛ صور الغابات في النصف الأول تحمل جمالًا عابرًا يرتعش بألم مرتقب. يتسلل الضوء عبر الأشجار وكأن أغنيس نفسها مرتبطة بالأرض. تظهر التربة في كل مكان، ليس كديكور بل كاستعارة؛ فهي تعيش تحت الأظافر، وتتشبث بالأطراف، وتملأ الفراغات حيث تخفق الكلمات. هذا الاتصال العميق بالعالم الطبيعي يصبح العمود الفقري الروحي لأغنيس. غالبًا ما ينبذها من لا يفهمونها بوصفها “ساحرة الغابة”، لكن تشاو تصوّر تواصلها مع الطبيعة كمصدر قوة وليس كمجرد خرافة. موسيقى ماكس ريختر استثنائية. حتى المقطوعات المألوفة تبدو وكأنها ولدت من جديد هنا، مفعمة بآلام جديدة. تضخم الموسيقى كل إيماءة، كل نفس، وكل نشيج مكبوت. قد يجادل البعض بأن الموسيقى بذلت جهدًا عاطفيًا زائدًا، خاصة في اللحظات الأكثر قتامة، وكانت هناك أوقات بدت فيها النية وراء المؤثرات الصوتية واضحة بعض الشيء.

النهاية عظيمة، ليس لأنها مفاجئة، بل لأنها حتمية. إن تحول الحزن الشخصي إلى فن عام يصبح الذروة العاطفية للفيلم. مشاهدة أغنيس وهي تحضر عرضًا مبكرًا لـ”هاملت” تشبه الشعور بالانشطار بين الجمال والألم في آن واحد. بالكاد تتحدث باكلي في النصف ساعة الأخير، ومع ذلك يتحول وجهها إلى “قصيدة ملحمية” كاملة. الراحة، الغضب، الإدراك، الفخر، المرارة، وأخيرًا القبول المنهك.. مشاعر تتماوج على ملامحها دون كلمة واحدة. اللحظة التي تدرك فيها أن العالم بأسره سيحزن على ابنها إلى الأبد هي لحظة مؤثرة بشكل لا يحتمل؛ إنها القوة الشافية للفن وقد تجسدت أمام الأعين. قد يشعر بعض المشاهدين بمسافة تفصلهم عن الفيلم في بعض أجزائه؛ فلمسة تشاو قد تبدو متعمدة لدرجة “الوعي بالذات”، خاصة في النصف الأول. وقد يصفه البعض بأنه قاسٍ أو جادّ بشكل مفرط. ومع ذلك، فإن الفصل الأخير يعيد كل شيء إلى مساره الصحيح. هنا تصل تشاو إلى قمة صناعتها السينمائية الواثقة والحدسية، كاشفةً عن الغرض وراء كل صورة هادئة، وكل صمت طويل، وكل تكوين بصري بدا ساكنًا أكثر مما ينبغي.

“هامنيت” ليس إعادة سرد لحياة شكسبير، بل هو مسرحية سينمائية. إنه الحزن وقد تحول إلى ضوء وظل. إنه الفن المستخلص من المهمة المستحيلة: النجاة من فجيعة لا يمكن تصورها. يقدم باكلي وميسكال اثنين من أروع الأداءات هذا العام، وتثبت تشاو مرة أخرى قدرتها على العثور على حقائق ملحمية في مساحات عاطفية. هذا الفيلم ببساطة أفضل ما انتج لعام ٢٠٢٥ بجانب فيلم بول توماس اندرسون. حقق الفيلم إشادة واسعة، مع تقييم ٨٦-٨٨٪ على روتن توميتو من النقاد، و٩٣٪ من الجمهور، ووصف بأنه “أحد أجمل أفلام ٢٠٢٥”، “مدمر عاطفيًا”، “عمل إنساني عظيم”، و”أفضل أعمال كلوي تشاو”. حصد جوائز وترشيحات كثيرة، بعض النقاد رأوا أن التركيز على الجانب النسوي يجعله مختلفًا عن الصورة التقليدية لشكسبير، وقد يكون بطيئًا لبعض المشاهدين. إنه ليس فيلم ترفيه خفيف، بل عمل فني عميق يستكشف الحب، الفقدان، الحزن، وقوة الفن في مواجهة الألم، ويُعد من أبرز أفلام عام ٢٠٢٥ وأكثرها تأثيرًا عاطفيًا.


اترك رداً على أنا لم أنساكم: إحياء جائزة المحبوب (33) – مدونة م.طارق الموصللي إلغاء الرد