A Cop – 1972

A Cop – 1972

يُعتبر فيلم “شرطي” (1972) بمثابة “أغنية البجعة” للمخرج الفرنسي الكبير جان بيير ميلفيل، والختام المهيب لثلاثيته البوليسية مع النجم آلان ديلون. في هذا العمل، لم يقدم ميلفيل مجرد فيلم جريمة تقليدي، بل صاغ قصيدة سينمائية جنائزية تتسم بالبرود الجليدي والعدمية الوجودية. تدور أحداث الفيلم في باريس خريفية رمادية، حيث يتقاطع مصير المفوض “إدوارد كولمان” مع صديقه “سيمون” زعيم إحدى العصابات، في علاقة معقدة يغلفها الاحترام المهني المتبادل وحب مشترك لامرأة واحدة هي “كاثي”. هذا التداخل بين عالمي القانون والجريمة يجعل من الفيلم دراسة سينمائية عميقة في العزلة والقدر المحتوم، حيث يظهر الجميع كأسرى لأدوارهم التي فرضها عليهم المجتمع.

تبدأ الأحداث بعملية سطو جريئة على بنك في بلدة ساحلية خلال طقس عاصف، ينفذها أربعة مجرمين يقودهم سيمون (ريتشارد كرينا). وفي المقابل، نجد المفوض إدوارد كولمان (آلان ديلون)، الشرطي البارد الذي يعيش في حالة من السأم الوجودي. المفارقة تكمن في أن كولمان وسيمون صديقان، ويتردد كولمان باستمرار على الملهى الليلي الذي يمتلكه سيمون، بل ويتشاركان في حب امرأة واحدة هي كاثي (كاثرين دينوف). القصة تتصاعد عندما يخطط سيمون لسرقة مخدرات من قطار متحرك، بينما يضيق كولمان الخناق على العصابة، ليجد نفسه في مواجهة حتمية مع الرجل الذي يحترمه والمرأة التي يحبها.

تتجلى عبقرية ميلفيل البصرية في هذا العمل من خلال لغة سينمائية فريدة تعتمد على “باليت” ألوان زرقاء ورمادية باهتة، صاغها ببراعة المصور “والتر ووتيتز”. لم تكن هذه الألوان مجرد خيار جمالي، بل كانت انعكاساً لبرودة المشاعر الإنسانية وانعدام الأمل الذي يغلف أرواح الأبطال. باريس في “الفيلم” ليست مدينة النور، بل هي غابة من الخرسانة والزجاج والصلب، تفتقر إلى أي دفء بشري، مما يجعل الشخصيات تبدو كأشباح تتحرك في فراغ هندسي موحش. هذه البيئة الباردة تعزز من فكرة ميلفيل المركزية بأن الإنسان وحيد في مواجهة مصيره، وأن العالم ليس سوى مسرح كبير يؤدي فيه الجميع أدواراً رتيبة ومكررة.

أما على مستوى الإيقاع، فقد ارتقى ميلفيل بمفهوم “الطقوسية” إلى مدى بعيد، حيث حول الفعل الإجرامي والعمل الشرطي إلى سلسلة من الحركات الميكانيكية الدقيقة. يظهر ذلك بوضوح في مشهد السطو الافتتاحي على البنك الساحلي، حيث بنى ميلفيل توتراً خانقاً ليس عبر الموسيقى الصاخبة أو المونتاج السريع، بل عبر الصمت المطبق وصوت الرياح العاتية والأمطار في الخلفية. نراقب اللصوص ببدلاتهم الرسمية وهم يتحركون بهدوء مريب، معتمدين على نظرات العيون للتواصل، مما يمنح الجريمة هيبة مهنية تقترب من القداسة. هنا، الجريمة ليست عنفاً عشوائياً، بل هي وظيفة تتطلب انضباطاً صارماً، تماماً كما هو حال العمل الشرطي الذي يمارسه كولمان بآلية وبرود مشابهين.

وتعتبر عملية سرقة الهيروين من القطار السريع (باريس-لشبونة) هي الذروة الإبداعية والتقنية في الفيلم. في هذا التسلسل الطويل الذي يخلو من الحوار تقريباً، استعرض ميلفيل قدرة فائقة على التلاعب بالزمن والتوتر البصري. نراقب “سيمون” وهو يُنزل من مروحية فوق قطار متحرك في قلب الليل، في مشهد يجمع بين الواقعية الفائقة والسريالية. اهتم ميلفيل بأدق التفاصيل: كيف يغير سيمون ملابسه، كيف يغسل وجهه، وكيف يستعد ببرود مذهل داخل مقصورة القطار ليظهر كراكب عادي. ورغم استخدام نماذج مصغرة (ماكيتات) في بعض اللقطات، إلا أنها أضافت طابعاً حلمياً غريباً على المشهد، مؤكدة على رؤية ميلفيل بأن هؤلاء الرجال يتحركون في عالم “مصنوع” محكوم بقوانين خاصة تختلف عن منطق الحياة اليومية.

في هذا الفيلم، تتلاشى الحدود الأخلاقية تماماً، حيث يصور ميلفيل الشرطي والمجرم كوجهين لعملة واحدة. المفوض “كولمان” يمارس العنف والترهيب ببرودة تفوق المجرمين أحياناً، بينما يلتزم “سيمون” وعصابته بقواعد شرف صارمة. هذه الضبابية الأخلاقية هي جوهر “الفيلم نوار” في صورته الأكثر نقاءً؛ فالجميع في نهاية المطاف إخوة في العزلة والهزيمة، والكل يسير نحو نهايته المحتومة بخطى واثقة ولكن يائسة. لم يعد هناك فرق بين من يحمي القانون ومن يكسره، فكلاهما محاصر داخل دائرة القدر التي لا ترحم، وكلاهما يؤدي دوره بكرامة باردة رغم علمه بعبثية النتائج.

يعد فيلم “Un Flic” نهاية مثالية لمسيرة جان بيير ميلفيل، حيث استعرض فيه كل أدواته المفضلة: الصمت، المعاطف الطويلة، الاحترافية، والقدر الذي لا يرحم. الفيلم أثر بشكل كبير في مخرجي سينما الجريمة اللاحقين، خاصة في هوليوود وآسيا (مثل جون وو ومايكل مان)، الذين استلهموا منه طريقة تصوير “السرقة كعملية تقنية” وكيفية بناء علاقة احترام متبادل بين المطارد والمطارد. إنه فيلم عن رجال يعرفون أن نهايتهم قادمة، ومع ذلك يكملون أدوارهم حتى النهاية بكرامة باردة.

أضف تعليق