مع تطور الذكاء الاصطناعي بسرعة مذهلة، دائمًا ما أقرأ عن ردود أفعال صناع السينما، بالأخص المخرجين الكبار، وكيف سيواجهون هذا المستقبل الغامض، وكيف نحافظ على الإبداع التقني الإنساني الأصيل. لذا شاهدت مقطع فيديو مقابلة مع المخرج ستيفن سبيلبرغ يتحدث عن هذا الموضوع، مقدماً تحذيرًا عميقًا مليئًا بالقلق على مصير البشرية والفنون الإبداعية. كان الحوار مع المقدم كولبير ممتعًا، حيث استفزه بعدة أسئلة ذكية ليخرج لنا تأملات عميقة، ولا ننسى أن سبيلبرغ سبق وقدم فيلماً رائعاً (من أفلامي المفضلة) قبل نحو ٢٥ عامًا: A.I. Artificial Intelligence (2001).
نادرًا ما نناقش الجانب الأخلاقي الحقيقي للذكاء الاصطناعي، مثل الاستهلاك الهائل للطاقة والموارد الطبيعية التي تبتلعها مراكز البيانات الضخمة. هذه ليست مجرد قضية فنية أو سينمائية، بل تهديد مباشر لكوكبنا ومستقبل أبنائنا وأحفادنا. وفي حديثه، يبدي سبيلبرغ قلقًا صادقًا: إن قادة هذه الثورة التقنية منشغلون أكثر بالصعود إلى القمة من التأمل فيما سيحدث بعد الوصول. يقول إن الأمر ليس متعلقًا بالأخلاق بقدر ما هو «تسلق جبل والوصول إلى أعلاه»، ثم النظر إلى الأسفل أخيرًا ليسألوا: هل سيخدم هذا البشرية فعلاً؟ ويستحضر المعضلة الشهيرة من فيلمه Jurassic Park: الناس مشغولون جدًا بسؤال «هل نستطيع؟» حتى لا يتوقفوا ليسألوا «هل ينبغي علينا؟». هذه الكلمات اليوم تتردد بقوة أكبر من أي وقت مضى، كأنها نبوءة تتحقق أمام أعيننا.
من العجيب أن يأتي صعود الذكاء الاصطناعي بعد ربع قرن فقط من فيلم A.I. Artificial Intelligence الذي تنبأ سبيلبرغ فيه بهذا السيناريو ببراعة فنية مذهلة. الفيلم الآن يبدو كمرآة صادقة للواقع الذي نعيشه. فيه، تنظر الآلات المتطورة «Super Mecha» إلى خالقيها البشر كآلهة انقرضت، تاركين وراءهم إرثًا من الذكريات والأطلال. إنه تصوير مؤثر لتطور البشرية المستمر، حيث نتجاوز اختراعاتنا فتُترك وحيدة تعكس ماضينا وتاريخنا.
يُركز سبيلبرغ على شخصية ديفيد، الصبي الروبوت الأول الذي يمتلك وعيًا حقيقيًا (بأداء هالي جويل أوسمنت الاستثنائي). ديفيد يرمز إلى شيء «لمسته يد إنسان»، شيء سيُقدّسه الآلات في المستقبل البعيد لأن البشر قد غابوا. هذا الرمز يذكرنا بقوة أن ما يميزنا ليس الذكاء الآلي، بل اللمسة البشرية الفريدة التي لا يمكن تقليدها.
يدافع سبيلبرغ بشراسة عن الإنسان والفنون. يؤكد أن الآلات قادرة على إنتاج محتوى مذهل، لكنها عاجزة تمامًا عن استنساخ جوهر التجربة الإنسانية، وعن التقاط تلك الروح التي تجعل القصة تلامس القلوب وتبقيها نابضة بالحياة. ويصف الروح بأنها «غير متخيلة» و«غير قابلة للتعبير»، شيء لا تستطيع أي خوارزمية خلقه أو محاكاته، إنها هدية سحرية موجودة فينا جميعًا. وأنا أتفق معه تمامًا؛ هناك عمق داخلي يربطنا بالصورة والكلمة والنغمه، عمق لا يمكن للروبوتات الاقتراب منه مهما بلغت تطورها.
يصرح سبيلبرغ بصراحة أنه «مرعوب» من فكرة أن تُكتب الكتب والأفلام والموسيقى بواسطة آلات. بالنسبة له السماح للآلات بالسيطرة على الإبداع يعني فقدان جوهر ما يجعلنا أحياء، يعني تجريد الحياة من أعمق معانيها وأجملها. حيث كان سماع سبيلبرغ يتحدث بهذا العمق عن جوهر الإنسانية رائعًا وملهمًا، وعن قوة القصص التي ننسجها بأيدينا وقلوبنا، في عصر يحاول فيه الذكاء الاصطناعي أن يحل محلنا تدريجيًا.
تأملاته في أعماله الخاصة، وفي ما يخبئه المستقبل، تدفعنا للتفكير بعمق: هل نحن على أعتاب عصر يُثري إبداعنا ويوسعه، أم عصر يسلبنا أثمن ما نملك – روحنا الإنسانية؟ الإجابة بين أيدينا الآن.. قبل أن تنتقل إلى أيدي الآلات.
رؤية مخرجين عمالقة متخوفين من تطور الذكاء الاصطناعي و الممثلين وبشكل عام صناع السينما امر مفهوم لانه سيفقدهم اولا وظائفهم وسيحد خوضهم تجارب جديد، مثلا اتذكر بعض الخدع السينمائية التي كان يقوم بها احد مؤسسين السينما وهو تشارلي تشابلن قبل ١٠٠ عام تقريبا والان نشاهد افلاما قصيره بدات تنتشر لا تأخذ منك سوى اوامر لا تكتبها انت بل الذكاء الاصطناعي يقوم بها ثم يحولها الى مشاهد ثم تطلب منه ان يرتبها وينسج لك الحوار، وسوف يتطور الوضع بأن تتخيل زوايا ولقطات معينة ويقوم بها وسيكون كل شخص لديه فكرة ان يحولها إلى سيناريو ثم إلى فيلم وهو جالس امام الهاتف او الاب توب!، بالنسبة لي امر ايجابي لاني اود ان اخرج مجموعة كبيره من الافلام خصوصا بأني بمحيط فقير فنيا او الفن منعدم ان صح التعبير، لنا سنرى ماذا سيقدم لنا الذكاء الاصطناعي هذا العام.


أضف تعليق