فيلم “المصارع” (The Wrestler) الذي صدر عام 2008 هو دراما رياضية نفسية أمريكية من إخراج دارين أرونوفسكي، وسيناريو روبرت سيجل. يُعد هذا العمل من أكثر أفلام أرونوفسكي إنسانية وإمكانية الوصول للجمهور، إذ يبتعد نسبيًا عن الشدة السوريالية المعتادة في أعماله السابقة مثل “مرثية حلم”، ويركز على قصة إنسانية عميقة عن الشيخوخة، الهوية، والتعلق بالماضي. الفيلم بطولة ميكي رورك في دور راندي “الكبش” روبنسون (Randy “The Ram” Robinson)، مصارع محترف سابق كان نجمًا في الثمانينيات، لكنه الآن يعيش في الستين من عمره يصارع في دورات مستقلة صغيرة مقابل أجور زهيدة، ويعمل بدوام جزئي في سوبرماركت، ويعيش في مقطورة، محاولاً استعادة بعض مجده عبر مباراة إعادة بعد عشرين عامًا مع خصمه القديم.
القصة تتبع راندي الذي يعاني من إصابات مزمنة ومشاكل قلبية، فيحاول التقاعد بعد نوبة قلبية خطيرة، لكنه يفشل في بناء حياة جديدة خارج الحلبة. يحاول إصلاح علاقته المقطوعة بابنته ستيفاني (إيفان ريتشل وود)، ويطور علاقة عاطفية مع راقصة تعري تُدعى كاسيدي (ماريسا تومي)، التي تشبهه في كونها تجاوزت ذروتها المهنية. الفيلم يصور عالم المصارعة المستقلة بصدق مذهل، مع مشاهد حقيقية للمباريات الخشنة (بما في ذلك مباريات “هاردكور” دموية)، ويظهر الخدع والإصابات والألم الجسدي اليومي الذي يعيشه المصارعون.

أداء ميكي رورك يُعد من أبرز نقاط القوة في الفيلم، إذ يقدم أداءً يُوصف بأنه “عودة حياته”، حيث يجسد الشخصية بجسده المتهالك (بعد سنوات من الإصابات والجراحات التجميلية) وصوته الخشن، معبرًا عن الندم والكرامة والعناد. ترشح لجائزة الأوسكار لأفضل ممثل، وفاز بجائزة الغولدن غلوب وBAFTA وغيرها. ماريسا تومي تقدم أداءً مؤثرًا كراقصة تبحث عن حياة طبيعية، وترشحت للأوسكار كأفضل ممثلة مساعدة، بينما إيفان ريتشل وود تضيف عمقًا عاطفيًا لدور الابنة المجروحة.
من الناحية الإخراجية، يعتمد أرونوفسكي على كاميرا يدوية تتبع الشخصيات (مستوحاة من أسلوب الوثائقي)، مع لقطات علوية للحكم على الشخصيات من منظور علوي، وتصميم صوتي يفصل بين الصورة والصوت ليعزز الشعور بالعزلة. الموسيقى خفيفة نسبيًا، مع أغاني روك كلاسيكية من الثمانينيات (مثل بروس سبرينغستين)، تعكس الحنين إلى الماضي. الميزانية كانت متواضعة بحوالي (6 ملايين دولار)، وحقق الفيلم إيرادات عالمية تجاوزت (حوالي 44.7 مليون دولار).
المراجعة النقدية حيث حصل على تقييمات عاليه بكل المواقع السينمائية و فاز بجائزة الأسد الذهبي في مهرجان فينيسيا السينمائي، واعتبره النقاد (مثل روجر إيبرت) من أفضل أفلام العام، مشيدين بصدقه العاطفي وأداء رورك الذي يجعل الفيلم “مؤثرًا ومؤلمًا وجميلاً في آن”. يُنتقد أحيانًا لكونه “حزينًا جدًا” أو “متوقعًا” في نهايته، لكنه يُمدح لتصويره الواقعي لعالم المصارعة دون تجميل، وكونه دراسة عميقة في الشيخوخة والتضحية بالذات من أجل “الفن” (المصارعة هنا كفن يتطلب الجسد).
في الختام، يُعد “المصارع” من أكثر أعمال أرونوفسكي دفئًا إنسانيًا رغم قسوته، ويبقى شاهداً على قدرة السينما في تصوير الانهيار البطيء للإنسان الذي يتشبث بما يعرفه جيدًا، حتى لو كلفه ذلك حياته. فيلم يستحق المشاهدة لمن يبحث عن دراما حقيقية وأداء استثنائي، مع الحذر من شدة بعض المشاهد الجسدية.


أضف تعليق