فيلم «الجوكر» (2019) للمخرج تود فيليبس أثار جدلاً واسعاً منذ عرضه، ولا يزال يُناقش حتى اليوم. ورغم الانقسامات الكبيرة بين المعجبين والنقاد، فإن أحد الأمور التي لا يمكن إنكارها هو أن الجمهور اندفع إليه بقوة، واستمر في الحديث عنه لسنوات. لم يقتصر الأمر على الجمهور العادي، بل جذبت الأفلام انتباه كبار المخرجين أيضاً، ومن بينهم اثنان من أبرز أسماء السينما المعاصرة: إدغار رايت وكوينتن تارانتينو.
في بودكاست حديث طويل (دام ثلاث ساعات) جمع بين تارانتينو ورايت، تناولا مواضيع السينما والتاريخ والثقافة، وقدما رؤى عميقة ودروساً قيّمة في صناعة الفيلم. وكان من أبرز المقاطع التي ناقشاها فيلم «الجوكر»، وبالأخص مشهد البرنامج الحواري الذي اعتبره تارانتينو تنفيذاً عبقرياً.
يُلخص تارانتينو مفاتيح المشهد السينمائي الناجح في أربعة عناصر أساسية: الوصول إلى الهدف، رد فعل الجمهور، السبب والنتيجة، وتغيير الجو العام.
هذه العناصر، بحسب رأيه، هي التي تبقي المشاهد منخرطاً تماماً، غير قادر على التنبؤ بالأحداث، وتُظهر مهارة الراوي في سرد القصة. وهي ذاتها العناصر التي شغلت باله أثناء مشاهدته لـ«الجوكر»، حيث شعر بتردد داخلي: هل يستمتع بالفيلم فعلاً؟ أم أنه يشعر بقلق من إعادة تقديم أفكار أفلام السبعينيات بصيغة جديدة؟
لكن الجزء الأكثر إثارة في حديث تارانتينو كان مديحه لمشهد البرنامج الحواري الذي يقدمه روبرت دي نيرو. وصف تارانتينو هذا المشهد بأنه «انقلاب على مستوى هائل»، وقال في اقتباس طويل ودقيق:
«الشيء العميق هنا ليس مجرد تشويق أو إثارة، بل أن المخرج قلب توقعات الجمهور رأساً على عقب. الجوكر مجنون تماماً، لكن شخصية روبرت دي نيرو ليست شريرة سينمائية نمطية. هو مجرد مقدم برنامج حواري وقح، مثل ديفيد ليترمان في أيامه، ليس أكثر. ليس شريراً يستحق الموت. ومع ذلك، خلال المشاهدة، يجد الجمهور نفسه يريد من الجوكر أن يقتله، أن يضع المسدس في عينه ويفجر رأسه. ولو لم يفعل الجوكر ذلك، لكان الجمهور غاضباً. هذا انقلاب مذهل! لقد جعلوا الجمهور يفكر بعقلية المجنون، ويريد القتل، ثم سينكرون ذلك لاحقاً ويقولون: «لا، لم أرد ذلك». لكنهم كاذبون . لقد أرادوه فعلاً.»
هذا التحليل يكشف عمق فهم تارانتينو لآلية التلاعب بالمشاهد. الفيلم بأكمله يعتمد على جعل الجمهور يرى الأحداث من منظور آرثر فليك (الجوكر)، ويجعله يتقبل منطق المجنون تدريجياً، بل ويتعاطف معه أحياناً. هذا الإنجاز -تحويل الجمهور إلى شريك في الجنون دون أن يشعر- هو ما اعتبره تارانتينو دليلاً على براعة تود فيليبس في هذا المشهد بالذات.
رغم الجدل الدائر حول الفيلم، ورغم الملاحظات التي قد يوجهها البعض لتارانتينو نفسه، فإن هذا التحليل يبقى واحداً من أكثر الرؤى دقة وإثارة للاهتمام حول «الجوكر»، ويُظهر كيف يمكن لمشهد واحد أن يحمل وزناً درامياً ونفسياً هائلاً، ويترك أثراً عميقاً في الجمهور.


أضف تعليق