في فيلم “السحابة” (Cloud)، يبرز المخرج الياباني كيوشي كوروساوا مرة أخرى عبقريته في استكشاف أعماق الطبيعة البشرية المظلمة، مستلهماً من روائعه السابقة مثل “العلاج” (Cure) و”النبض” (Pulse). يحول كوروساوا عالم الشراء عبر الإنترنت، الذي كان يُعتبر مجرد وسيلة راحة روتينية، إلى ساحة لتدفق الطاقات السلبية والانتقام الجماعي، مستعرضاً كيف يمكن للرأسمالية الرقمية أن تفرز وحوشاً من البشر العاديين. الفيلم، الذي يتسلل بين الأنواع السينمائية من الدراما النفسية إلى الإثارة والرعب، يركز على شخصية يوشي ريوسوكي (يؤديها ماساكي سودا ببراعة تجسد البرودة والعناد)، تاجر إعادة بيع مراوغ يستغل الآخرين لتحقيق أرباح سريعة، ليجد نفسه في مواجهة جيش من الزبائن الغاضبين الذين يتحولون إلى صيادين في العالم الواقعي.

يبدأ الفيلم بغير أمان، مقدماً ريوسوكي كرجل يضغط على زوجين مسنين لبيع مخزون أجهزة طبية بخصم كبير، ثم يعيد عرضها بأسعار مرتفعة عبر المنصات الإلكترونية. يعمل ريوسوكي في مصنع نهارياً، لكنه يشعر بالملل الشديد، مما يدفعه صديقه موراوكا (ماساتاكا كوبوتا) إلى السعي وراء مشاريع أكبر. يخصص النصف الأول من الفيلم لملاحقة ريوسوكي للمنتجات الرخيصة وإعادة بيعها، حيث تظهر بضائعه على شاشة حاسوبه كأيقونات متغيرة الألوان مع كل مزايدة ناجحة. ينتقل لاحقاً إلى شقة صناعية في ضواحي المدينة، مصحوباً بصديقته أكيكو (كوتوني فوروكاوا)، التي تبدو تائهة ومملة من حياة الاستهلاك اللامتناهي هذه.
يمتاز كوروساوا بقدرته على تحويل الغرف العادية إلى أماكن مليئة بالقلق والعنف الكامن، وهنا يجسد ذلك في منزل ريوسوكي البارد، حتى مع انضمام المساعد الشاب سانّو (دايكن أوكودايرا)، الذي يضفي طاقة حيوية مؤقتة. سرعان ما يكتشف سانّو جيشاً من الزبائن الغاضبين على الإنترنت، الذين يهاجمون ريوسوكي تحت اسمه التجاري “راتيل” ويتوعدون بالانتقام. يطرد ريوسوكي مساعده بسبب التجسس، لكن الأمور تتدهور عندما يتعرض موزع آخر لضرب عنيف من زبون بسبب منتج معيب، مما يحول الدراما الكئيبة إلى أهوال غزو المنازل والمطاردات المسلحة.

تتميز أعمال كوروساوا بشخصيات مدفوعة بقوى غامضة، سواء خارقة أو اجتماعية، وهنا يبرز مفهوم “العدوى الاجتماعية” كعامل مرعب. المهاجمون، الذين يشملون مديراً سابقاً ودوداً، يفقدون كوابحهم الأخلاقية عند التجمع، مستذكراً سلسلة “التطهير” (The Purge). يصور الفيلم الهجوم كتهديد عشوائي منفلت، لا جزاء عادلاً، حيث يتبجح أحد المهاجمين بقوله: “نحن نفعل ما نريد”. في المقابل، ينضم سانّو، الذي يتبين أنه عضو سابق في الياكوزا، إلى جانب ريوسوكي بدافع عدالة غامضة، مضيفاً عنفاً محترفاً إلى المعمعة. تتكشف الأحداث بعشوائية، مع لمسات كوميدية مرعبة مثل تغطية وجه أحد المهاجمين خوفاً من العواقب، وخلفيات انتحارية مفاجئة تضفي جنوناً محضاً.
يوسع كوروساوا في “السحابة” على نقده للرأسمالية الرقمية، موضحاً كيف يسهل الإنترنت تطرف السلوكيات البشرية، محولاً المظالم الصغيرة إلى انفجارات عنيفة في العالم الحقيقي. الرعب لا يكمن في قوى طيفية، بل في آليات التسليع المتبلدة، حيث تبدو أكيكو ضحية مباشرة للرغبات الاستهلاكية، وريوسوكي مهووساً بصفقاته حتى في خطر الموت. أداء سودا، الذي اشتهر بصوت الطائر في “الصبي والبلشون” (The Boy and the Heron)، يجسد هذا الهوس ببراعة، محولاً ريوسوكي إلى شرير يمكن التماهي معه بسبب تفاهته وعدم مسؤوليته العاطفية.

يحافظ كوروساوا على تحكم ثابت في الحالة المزاجية والسرد، محولاً الفيلم من ملحمة إجرام هادئة إلى مطاردة داخل مصنع مهجور، يتبنى عدم جدية الأعداء كاستعارة للتفاعلات الإنترنتية، حيث يصبح إطلاق النار على كل متحرك رمزاً للقسوة الرقمية. تنتهي الأحداث بلحظة ميتافيزيقية، تؤكد رؤية كوروساوا للفساد الداخلي في الاقتصادات الليبرالية المعززة بالإنترنت، محذراً من أن الخطر يداهم من الداخل. “السحابة” ليس مجرد فيلم إثارة، بل تأمل عميق في كيف يفقد العالم الرقمي الروابط الإنسانية، محولاً الجرائم الصغيرة إلى كتل حرجة تنفجر بعنف، ومذكراً بأن الرعب النفسي لم يعد مجرداً، بل متجسداً في حياتنا اليومية. هذا العمل يعيد كوروساوا إلى جذوره، لكنه يحدثها لعصرنا، جاعلاً منه عمل سينمائي يستحق المشاهدة.


أضف تعليق