Rio Bravo – 1959

Rio Bravo – 1959

في عالم السينما الهوليوودية، حيث تتنافس الأفلام على الإبهار بالحبكات المعقدة والإيقاع السريع، يبرز فيلم “ريو برافو” (1959) للمخرج هوارد هوكس كجوهرة نادرة تجسد البساطة المتقنة والعمق الإنساني. إنه ليس مجرد فيلم ويسترن تقليدي يعتمد على الاشتباكات المسلحة والأشرار الخائنين، بل هو حكاية دافئة عن الصداقة، الشجاعة، والتكاتف في وجه التحديات، مقتبسة من رفض هوكس لفكرة فيلم “هاي نون” (1952) الذي كرهه، حيث يركض البطل يطلب المساعدة عبثًا. عكس ذلك، يقدم هوكس بطله الشريف جون تشانس (جون واين) كرجل قوي يقبل المساعدة فقط من مجموعة غير متجانسة: سكير سابق (دين مارتن)، شاب مبتدئ (ريكي نيلسون)، عجوز اعرج (والتر برينان)، وامرأة هاربة (أنجي ديكنسون). هذه الشخصيات، المعروفة بألقابها الودية مثل دود، كولورادو، ستامبي، وفيذرز، تشكل نواة الفيلم، حيث يثبت كل منهم نفسه داخل الجماعة من خلال أفعاله، مستعيدًا احترامه الذاتي أو مكفرا عن أخطائه.

يمتد الفيلم قرابة الساعتين والنصف، لكنه يتدفق ببطء مدروس، يتيح للجمهور الاقتراب من عالمه الغني بالتفاصيل. الحبكة بسيطة: يحرس تشانس ورفاقه السجن من عصباة بورديت الخارجة عن القانون، التي تسعى لتحرير أحد أعضائها المتهم بالقتل. غير أن المتعة الحقيقية تكمن في الديناميكية الجماعية واللحظات الهادئة، مثل مشهد الغناء الجماعي داخل السجن، الذي يجمع بين أصوات مارتن ونيلسون في تعبير خالص عن الرفقة والفرح. يبرز هوكس هنا فلسفته السينمائية: القبول داخل الجماعة مشروط بأداء المهام بكفاءة، و”الأسف لا ينجز شيئًا”. يتجلى ذلك في مسار دود، الذي يتحول من سكير مذلول إلى بطل يتغلب على إدمانه، كما في المشهد الشهير حين يعيد سكب الويسكي في الزجاجة دون إهدار قطرة، إعلانًا لانتصاره الداخلي قبل الخارجي.

أما جون واين، فهو يجسد تشانس بطولة متزنة تخفي هشاشة إنسانية، خاصة في مواجهته لفيذرز، المرأة القوية المستقلة التي تمثل تقليد “المرأة الهوكسية”، كما في أفلام سابقة مثل Bringing Up Baby أو The Big Sleep. تطارد فيذرز تشانس بإغراء مرح، تكشف عن جانبه المذهول والمضحك، مضيفة بُعدًا رومانسيًا ينتقل بسلاسة بين الكوميديا والمغامرة. يضيف ستامبي، بدوره الكوميدي المخلص، لمسة إنسانية، مستذكرًا دوره في To Have and Have Not، حيث يدافع عن مبادئه ضد الطغاة. ومع كولورادو الواثق، تكتمل الكتيبة غير المتجانسة، التي تحول الخطر الداهم إلى فرصة للتطور النفسي، حيث تُبرز الصداقات التي تشكلها خياراتنا معنى لحياتنا، كما في قول تشابلن في Limelight: “نحن جميعًا هواة، لا نعيش طويلًا بما يكفي لنصبح شيئًا آخر”.

مسيرة هوكس الطويلة، التي شملت أنواعًا متنوعة من Scarface إلى The Thing from Another World، تجعل Rio Bravo ذروة مرحلته المتأخرة، بعد فشل Land of the Pharaohs وانقطاع دام أربع سنوات. صنع الفيلم كرد يميني على High Noon، لكنه قدم عملًا إنسانيًا عميقًا يؤكد أن البطل لا ينتصر وحده. حقق نجاحًا تجاريًا بميزانية 1.9 مليون دولار، حاصدا 5.2 ملايين، وألهم مخرجين مثل جون كاربنتر في Assault on Precinct 13. كما أعاد هوكس استخدام أفكاره في El Dorado (1966)، لكن Rio Bravo يظل الأكثر إمتاعًا وإرضاءً في تاريخ الويسترن، كما قال الناقد روبن وود: “لو طُلب مني اختيار فيلم واحد يبرر وجود هوليوود، أعتقد أنه سيكون Rio Bravo”. إنه فيلم أعود إليه مرارًا لزيارة أصدقاء قديمين، مذكرًا نفسي بأن التفاؤل يتجلى في الصداقة والشجاعة، بعيدًا عن الادعاءات الزائفة.

يُعتبر كوينتن تارانتينو فيلم Rio Bravo (1959) للمخرج هوارد هوكس أحد أفضل أفلامه على الإطلاق، بل وأحد أعظم الأفلام في تاريخ السينما، وكان في مرحلة ما فيلمه المفضل الأول على الإطلاق. يصف تارانتينو الفيلم بأنه “فيلم التسكع” (hangout movie) الأعظم، حيث يقضي الجمهور وقتًا طويلًا مع الشخصيات حتى يشعر بهم كأصدقاء حقيقيين، مما يجعله مثاليًا لإعادة المشاهدة مرارًا. يرى فيه نموذجًا للرجولة الإيجابية والشرف، وقد ساعده في تشكيل فهمه لكيفية تصرف الرجال بكرامة، خاصة أنه نشأ بدون أب، فكأن هوكس كان أبًا بديلًا له من خلال الفيلم. يستخدم تارانتينو Rio Bravo كاختبار لصديقاته الجدد، إذ يعرضه عليهن عندما يصبح العلاقة جادة، ويهدد بإنهائها إن لم يحببنه الفيلم! كما أثر الفيلم على أسلوبه السينمائي، من خلال الحوارات الطويلة والتطور الشخصي للشخصيات قبل العنف المفاجئ، كما في أفلامه مثل Jackie Brown وOnce Upon a Time in Hollywood. أما بالنسبة للثلاثية، فيحب Rio Bravo وEl Dorado، لكنه يكره Rio Lobo (1970) الذي يراه “سخيفًا” ومثالًا على ما يجب تجنبه، إذ ألهمه التقاعد المبكر قبل أن يصبح عمله “باهتًا” كما حدث مع بعض أعمال هوكس المتأخرة.

أضف تعليق