“لا كلمة واحدة تستطيع أن تفسر حياة إنسان”، يقول أحد الباحثين وهو يتجول بين كنوز المستودع المهجورة التي خلّفها تشارلز فوستر كين. ثم تأتي اللقطات الشهيرة التي تقودنا تدريجيًا إلى التكبير على كلمة “Rosebud” المكتوبة على زلاجة طفولة، تُلقى في فرن يلتهمها اللهب، وتتقشر ألوانها في صمت مؤلم. نذكر أن هذه الزلاجة كانت رفيق طفولة كين، التي انتُزعت منه يوم انتُزع هو نفسه من أحضان أمه وأُرسل إلى الشرق ليتربى في مدارس النخبة.

“Rosebud” ليست مجرد كلمة؛ إنها رمز للأمان والأمل والبراءة الطفولية التي يقضي الإنسان عمره كله يبحث عن استعادتها. هي الضوء الأخضر في نهاية رصيف غاتسبي في رواية “The Great Gatsby”، والنمر فوق قمة كيليمانجارو في قصة همنغواي، والعظم الذي يُلقى في الهواء في فيلم “2001: A Space Odyssey” لستانلي كوبريك (حيث يرمي القرد العظم في السماء، فيقطع المشهد فجأة إلى مركبة فضائية حديثة، رامزًا إلى تطور البشرية عبر العصور). إنها ذلك الشوق الزائل الذي يتعلّم الكبار كبتَه. يقول الصحفي تومبسون: “ربما كانت Rosebud شيئًا لم يحصل عليه، أو شيئًا فقده… على أي حال، لم تكن لتفسر شيئًا”. صحيح، إنها لا تفسر شيئًا، لكنها تُثبت ببراعة أن لا شيء يُفسر تمامًا. وهذا أحد التناقضات اللعوبة التي يحبها الفيلم: موضوع ممتع كأي فيلم آخر، وعُمقه يفوق الفهم.

في عام 1941، منحت استوديوهات RKO لمخرج شاب في الخامسة والعشرين – أورسون ويلز – حرية كاملة، فجمع حوله كاتبًا ساخرًا مدمنًا على الشراب (هيرمان مانكيويتز)، ومصورًا مبتكرًا (غريغ تولاند)، ومجموعة من ممثلي المسرح والإذاعة في نيويورك، وأنتجوا تحفة فنية. “Citizen Kane” ليس مجرد فيلم عظيم؛ إنه تجميع لكل دروس عصر الصوت الناشئ، كما كان “The Birth of a Nation” تجميعًا لعصر الصمت، و”2001: A Space Odyssey” إشارة إلى ما بعد السرد التقليدي. هذه القمم تظل فوق الجميع.

الفيلم مستوحى من حياة ويليام راندولف هيرست، الذي بنى إمبراطورية إعلامية ثم شيد لنفسه قصرًا فخمًا (سان سيميون) كأنه ينهب بقايا حضارات. يبدأ الفيلم بنشرة أخبار ساخرة عن حياة كين، ثم ينطلق الصحفي تومبسون في بحث عن معنى “Rosebud” الأخيرة، فيروي القصة عبر ذكريات الآخرين: الوصي تاتشر، الصديق ليلاند، الزوجة سوزان، المدير برنشتاين. السرد دائري غير خطي، يضيف طبقات كلما عاد، محررًا الزمن من قيوده، فتصبح الحياة تركيبة عاطفية لا زمنية.

الابتكارات بصرية مذهلة: أبراج زانادو الشامخة، خطاب كين الانتخابي الضخم، الانتقال من باب عشيقته إلى صورة في صحيفة منافسة، الكاميرا تنزلق من سقف النادي إلى سوزان المنهارة، مرايا تعكس آلاف الكينات، واللقطة الأيقونية حيث يمشي كين نحو نافذة تبدو عادية، لكنها تكبر وترتفع حتى يصغر هو أمامها، ثم يعود حجمه كما كان. الإنسان دائمًا يرى نفسه بنفس الحجم، لأنه لا يقف حيث نقف نحن لنراه.

الفيلم يمزج القصة الشخصية بتاريخ عصر صعود الصحافة الشعبية، حرب إسبانيا-أمريكا، ميلاد الراديو، قوة الآلات السياسية، الفاشية، صحافة المشاهير. يغطي من 1895 إلى 1941، وكأن كين غطى كل تلك السنوات، بل كان بعضها هو نفسه.

في النهاية، يعرف الفيلم أن الزلاجة ليست الإجابة. يُظهر لنا ما هي “روزبد”، لكنه لا يخبرنا ماذا تعني. حياتنا بعد رحيلنا تبقى فقط في ذكريات الآخرين، تصطدم بجدران نرفعها وأدوار نلعبها. هناك كين الذي يصنع أشكالاً بالظلال بأصابعه، وكين الذي يكره الاحتكارات، وكين الذي يختار عشيقته على زواجه وطموحه السياسي، وكين الذي يجمع الملايين، وكين الذي يموت وحيدًا.
“المواطن كين” يبقى من أعظم الافلام في التاريخ لأنه جمع بين المتعة والعمق الفلسفي، وبين الابتكار الفني والتأمل في الإنسان. هو مرآة للحلم الأمريكي: الثراء من لا شيء، السلطة، الوحدة، والشوق الأبدي إلى ما فقدناه في الطفولة. تحفة لا تُنسى، تتركك تشعر بالدهشة والحزن معًا، وتدعوك لإعادة المشاهدة مرارًا لتكتشف أن الغموض هو الجواب الوحيد.
رأي بعض المخرجين ( تارانتينو، سبيلبرغ، سكورسيزي) بالفيلم:


أضف تعليق