سيرجيو ليوني، يبدأ مسيرته الإخراجية الرسمية عام 1961 بفيلمه الأول المعتمد له كمخرج: الكولوسوس في رودس (بالإيطالية: Il Colosso di Rodi)، وهو فيلم من نوع “السيف والصندل” (peplum)، يدور في العصر الهلنستي حول أحد عجائب الدنيا السبع القديمة: تمثال الكولوسوس الضخم في جزيرة رودس. هذا الفيلم ليس تحفة ليوني الكبرى، بل هو عمل انتقالي يعكس خبرته السابقة كمساعد مخرج في أفلام هوليوودية مثل بن هور وكوو فاديس، وكمخرج بديل في أيام بومبي الأخيرة. يفتقر إلى العلامات الليونية اللاحقة (الإيقاع البطيء الخانق، الزوم الدرامي، الصمت المشحون)، لكنه يحمل بصمات مبكرة في التصوير الواسع والمشاهد الملحمية، مع إنتاج إيطالي-إسباني-فرنسي يقدم مشاهد ضخمة وديكورات مذهلة رغم الميزانية المحدودة نسبيًا. إنه فيلم مغامرات تاريخي يجمع بين الرومانسية، الخيانة، والثورة ضد الطغيان، ويُعد خطوة أولى في مسيرة ليوني نحو الإبداع الكبير.

تدور الأحداث عام 280 ق.م في جزيرة رودس الهلنستية، بعد وفاة الإسكندر الأكبر وقبل سيطرة روما. يزور البطل اليوناني داريوس (روري كالhoun)، بطل حربي مشهور، عمه ليسيبوس للراحة، لكنه يجد الجزيرة تحت حكم ملك طاغية (الملك سيرسي)، يبني تمثال الكولوسوس الضخم للإله هيليوس كحارس للمرفأ، لكنه في الواقع سجن وقلعة دفاعية. يتورط داريوس في مؤامرتين: واحدة من الوطنيين الروديين بقيادة بيليوكليس للإطاحة بالملك، وأخرى من الضابط الشرير ثار الذي يتحالف مع الفينيقيين للسيطرة على الجزيرة وبيعها. يغازل داريوس الجميلة ديالا (ليا ماساري)، ابنة مهندس التمثال، لكنه يكتشف خيانات ويتحول إلى بطل الثورة. تنتهي الأحداث بزلزال مدمر يسقط الكولوسوس، ويختار داريوس البقاء في رودس لإعادة بنائها مع حبيبته ميرتي. القصة مليئة بالمؤامرات، الخيانات، والمعارك، مع لمسة رومانسية، وتناقش الطغيان والحرية في إطار تاريخي خيالي.
كتب ليوني السيناريو مع فريق كبير (إنيو دي كونشيني، لوتشيانو مارتينو، وآخرين)، مستلهمًا من أفلام الـ peplum الإيطالية الشائعة في الستينيات. السيناريو يعتمد على كليشيهات النوع: بطل غريب يتورط في ثورة، خيانة حبيبة، تمثال عملاق كسلاح. لكنه يضيف طبقات سياسية: التحالف مع الفينيقيين كرمز للاستعمار، والكولوسوس كأداة قمع. الحوارات مباشرة، والقصة غير معقدة، لكنها تحمل إشارات خفية (كان ليوني يفكر أصلاً في وجه موسوليني على التمثال لكن غيّرها إلى تصميم مستوحى من تماثيل الفاشية).
يظهر ليوني في أول عمله الرسمي مهارة في التصوير الواسع والمشاهد الجماعية، مع لقطات طويلة على الديكورات الضخمة والكولوسوس كقلعة داخلية (سلالم حلزونية، أبواب زنزانات، مدافع من الرأس). الإيقاع أسرع من أعماله اللاحقة، لكنه يبني توترًا في مشاهد الزلزال والانهيار. التصوير بقيادة أنطونيو باليستيروس يستفيد من مواقع إسبانية (لاريدو، مانزاناريس، سيوداد إنكانتادا) ليخلق إحساسًا بالعظمة.
الشخصيات: أبطال نمطيون للنوع

- داريوس (روري كالهون): البطل اليوناني الشجاع، ساخر وجذاب، يُقارن بـ”كاري غرانت البروليتاري” حسب ليوني.
- ديالا (ليا ماساري): الجميلة الخائنة ثم النادمة، تضيف عمقًا عاطفيًا.
- بيليوكليس (جورج مارشال): قائد الثوار، مثالي.
- ثار (كونرادو سان مارتين): الشرير الطموح.
الموسيقى التصويرية من أنجيلو فرانشيسكو لافانيينو (الفيلم الوحيد لليوني بدون إنيو موريكوني)، كلاسيكية وملحمية، لكنها غير مميزة مقارنة بأعمال موريكوني اللاحقة، وتخدم الإثارة دون أن تترك أثرًا خالدًا.
الكولوسوس رمز للقمع (سجن داخلي، أسلحة دفاعية)، والزلزال يمثل سقوط الطغيان. الفيلم ينتقد التحالفات السياسية والاستعمار، مع لمسات فاشية خفية في التصميم.

ديكورات مذهلة (الكولوسوس مصنوع من حديد وبرونز مصقول)، مشاهد عملاقة (انهيار التمثال)، صُوّر في إسبانيا لتوفير التكاليف.
حقق ربحًا متواضعًا (حوالي 350,000 دولار حسب سجلات MGM). التقييم الحالي على Rotten Tomatoes 56% (متوسط 6.2/10 من 9 نقاد). النقاد المعاصرون أشادوا بالمشاهد الجماعية والديكورات، لكنهم انتقدوا القصة السطحية والرومانسية الضعيفة. اليوم يُعتبر عملًا نمطيًا للنوع، أقل تميزًا من أعمال ليوني اللاحقة.
يُعد خطوة انتقالية في مسيرة ليوني، يظهر مهاراته في الإخراج الملحمي قبل الانتقال إلى الويسترن السباغيتي. يُشاهد اليوم كفضول تاريخي، ومتوفر بنسخ جيدة.
الفيلم لما يعده المشاهدين مهما، لأنه البداية الرسمية لسيرجيو ليوني، يحمل بذور أسلوبه في التصوير الواسع والمشاهد الضخمة، رغم افتقاره للعمق اللاحق. مشهد سقوط الكولوسوس من أبرز لحظات النوع. يستحق المشاهدة لعشاق ليوني والـ peplum.
معلومات إضافية
- صُوّر معظمًا في إسبانيا.
- كان المقصود جون ديريك لدور البطل لكنه طُرد بسبب خلافات.
- التمثال أكبر ثلاث مرات من الواقع التاريخي.
- متوفر بنسخ Blu-ray عالية الجودة.


أضف تعليق