أحد أعظم الأفلام في تاريخ السينما: كان يا ما كان في الغرب (بالإيطالية: C’era una volta il West)، وهو الجزء الأول في ثلاثية “كان يا ما كان” التي تليها “كان يا مكان .. ثورة” ثم “كان يا ما كان في أمريكا”. هذا الفيلم ليس مجرد ويسترن، بل ملحمة تأملية عميقة في نهاية عصر الغرب المتوحش، مع نقد لاذع للرأسمالية والتقدم الصناعي، وسط توتر نفسي خانق، عنف أنيق، وجمال بصري مذهل يجمع بين الصمت الطويل والانفجارات المفاجئة. مع موسيقى إنيو موريكوني التي صارت أسطورية، وأداءات استثنائية من هنري فوندا (ضد النوع)، تشارلز برونسون، كلوديا كاردينالي، وجيسون روباردز، يُعتبر الفيلم على نطاق واسع أعظم إنجازات ليوني، حيث يحول الكليشيهات الويسترنية إلى فن عالٍ ينتقد أساطير الغرب الأمريكي نفسه.

القصة: تدور الأحداث في بلدة فلاغستون في الغرب الأمريكي أواخر القرن التاسع عشر، حيث يتنافس الجميع على قطعة أرض تحتوي على ماء، وهي ضرورية لمحطة قطار جديدة تخطط لها شركة السكك الحديدية بقيادة الرجل المعاق مورتون (غابرييلي فيرزيتي). يرسل مورتون قاتله الوحشي فرانك (هنري فوندا) لترهيب صاحب الأرض بريت ماكباين، لكن فرانك يقتل العائلة بأكملها. يُلقى اللوم على اللص الشهير شايان (جيسون روباردز)، بينما يصل إلى المدينة رجل غامض يعزف على الهامونيكا (تشارلز برونسون) يحمل انتقاماً قديماً، وتصل أيضاً جيل ماكباين (كلوديا كاردينالي)، العروس الجديدة للقتيل التي تكتشف مصير زوجها. تتحالف الشخصيات في مواجهة الشر، وسط خيانات وكشف أسرار، حتى المواجهة النهائية الأسطورية. القصة غير خطية جزئياً، تعتمد على الفلاشباك، وتناقش كيف يدمر التقدم الصناعي (السكك الحديدية) الروح الغربية التقليدية، معبرة عن نهاية عصر البطولة والحرية.

كتب ليوني السيناريو مع سيرجيو دوناتي، مستنداً إلى قصة من داريو أرجينتو وبرناردو بيرتولوتشي، بعد دراسة عميقة لأكثر من 30 فيلم ويسترن كلاسيكي أمريكي (مثل “الباحثون”، “جوني غيتار”، “شين”، و”الرجل الذي أطلق النار على ليبرتي فالانس”). السيناريو يقلب الكليشيهات رأساً على عقب: البطل الغامض يعود للانتقام، الشرير يُلعب من قبل أيقونة الخير (فوندا)، والمرأة تكتسب دوراً مركزياً لأول مرة في أفلام ليوني. الحوارات قليلة، والصمت يسيطر، مما يعطي طابعاً أوبرالياً كما العادة في افلامه السابقه. ينتقد الفيلم الرأسمالية من خلال مورتون كرمز للتقدم البارد، والعنف كوسيلة للتحول الاقتصادي.
يصل ليوني إلى قمة نضجه: لقطات طويلة مذهلة، زوم درامي على الوجوه والأيدي، إيقاع بطيء يبني توتراً خانقاً ينفجر في عنف مفاجئ. التصوير بقيادة تونينو ديلي كولي يخلق عالماً من الظلال والضوء القاسي، مع استخدام Techniscope لعمق ميداني مبالغ. المشاهد الافتتاحية (الانتظار في المحطة) والنهائية (المواجهة في المقبرة) تحف فنية، مع إشارات إلى جون فورد (مونيومنت فالي). الفيلم يجمع الملحمية بالحميمية، محولاً الويسترن إلى تأمل في الموت والتغيير.
الشخصيات: مجموعة معقدة وأيقونية

- الهرمونيكا (تشارلز برونسون): الرجل الغامض، انتقامي بارد، يعزف على الهامونيكا بدلاً من الكلام. أداء برونسون مرعب وصامت.
- فرانك (هنري فوندا): الشرير الأيقوني، بارد وسادي، ضد النوع لفوندا. أداؤه مذهل في تجسيد الشر المطلق.
- جيل ماكباين (كلوديا كاردينالي): المرأة القوية، تمثل الحلم الجديد والحياة. أداؤها يضيف عمقاً عاطفياً.
- شايان (جيسون روباردز): اللص الفوضوي، كوميدي وإنساني، يسرق الأضواء بأداء عبقري.
الموسيقى هنا من أعظم أعمال موريكوني: موتيفات لكل شخصية (هامونيكا للانتقام، صوت أنثوي بلا كلمات لجيل بواسطة إيدا ديل أورسو)، لحن رئيسي حزين وشاعري. كتب موريكوني النتيجة قبل التصوير، ولعبها ليوني على الموقع لإلهام الممثلين. اللحن الرئيسي يعبر عن الحنين والندم، ويُعد من أجمل النتاجات في تاريخ السينما.

الفيلم يناقش نهاية الغرب المتوحش أمام الرأسمالية، مع رموز مثل السكك الحديدية (التقدم المدمر)، الماء (الحياة)، والانتقام (الماضي). يسخر من أساطير الويسترن الكلاسيكي، محولاً البطل إلى شبح، والشر إلى رجل أعمال.

تصوير مذهل في مونيومنت فالي (يوتا) وصحراء تابيرناس (إسبانيا)، ديكورات أصيلة في استوديوهات سينيتشيتا.
الميزانية حوالي 5 ملايين دولار، حقق نجاحاً هائلاً في أوروبا (أكثر من 40 مليون تذكرة عالمياً)، لكنه فشل في أمريكا بسبب النسخة المختصرة. التقييم الحالي على Rotten Tomatoes 96% (متوسط 9.1/10)، وMetacritic 82/100. النقاد يشيدون به ككلاسيكي:
- “تحفة سباغيتي ويسترن مع موسيقى موريكوني الكلاسيكية” (إجماع روتن توميتوز).
- “إذا كان يجب أن يكون هناك ويسترن أخير، فهو هذا” (تايم آوت).
- “أحد أعظم الأفلام على الإطلاق” (كريستوفر فرايلينغ).

أثر في تارانتينو، سكورسيزي، لوكاس، وغيرهم. محفوظ في السجل الوطني للأفلام الأمريكية، ويُعتبر أعلى ويسترن في قوائم إمباير (المركز 14). يُشاهد مراراً لاكتشاف تفاصيل جديدة.
قصة تأملية تجعل التوتر يستمر حتى النهاية. المواجهة النهائية و”Man with a Harmonica” من أعظم لحظات السينما. إنه خاتمة مثالية للويسترن السباغيتي، يستحق المشاهدة مرات عديدة.
معلومات إضافية
- صُوّر في إسبانيا ويوتا، مع مشاهد خطرة حقيقية.
- موريكوني كتب الموسيقى قبل التصوير.
- النسخة الأمريكية الأصلية مختصرة وكارثية، تجنبها.
- متوفر بنسخ 4K ممتازة (النسخة الدولية الممتدة).


أضف تعليق