السينما بوصفها تجربة معرفية وإنسانية

بدأت السينما كتجربة تقنية في أواخر القرن التاسع عشر، حين سعى الإنسان إلى الإمساك بالحركة وتثبيتها زمنيًا. جاءت تجارب إدوارد مويبريدج بوصفها الشرارة الأولى، قبل أن يُحدث الأخوان لوميير عام 1895 ثورة حقيقية باختراع جهاز السينماتوغراف، وتقديم أول عروض سينمائية قصيرة ذات طابع وثائقي. ورغم مساهمة توماس إديسون بجهاز Kinetoscope، فإن ما ميّز عروض لوميير هو تحويل المشاهدة إلى تجربة جماعية، واضعةً السينما منذ بدايتها في قلب الفعل الاجتماعي.

لم تلبث السينما أن تحوّلت من مجرد تسجيل للواقع إلى أداة للخيال والسرد، مع الساحر السينمائي جورج ميلييس في فيلمه الشهير A Trip to the Moon (1902)، حيث قدّم أولى محاولات الخيال العلمي والمؤثرات البصرية، مثبتًا أن السينما قادرة على خلق عوالم لا وجود لها خارج الشاشة. ثم جاء إدوين بورتر بفيلم The Great Train Robbery (1903)، ليضع أسس المونتاج السردي، ويُدخل مفاهيم القطع الزمني وتعدد المشاهد، فاتحًا الباب أمام السينما كفن قصصي متكامل.

بلغت السينما ذروة نضجها في العصر الصامت، حيث لم يكن غياب الصوت عائقًا، بل دافعًا لابتكار لغة بصرية خالصة. تألّق تشارلي تشابلن في تحويل الكوميديا إلى خطاب إنساني عميق، بينما جسّد باستر كيتون العبث والقدر ببرود فلسفي. أما ديفيد وورك غريفيث فوسّع أفق السرد السينمائي، في حين قدّم سيرجي آيزنشتاين نظرية المونتاج التصادمي، محوّلًا الصورة إلى أداة فكرية ثورية. وفي أوروبا، تركت السينما التعبيرية الألمانية أثرًا بصريًا ونفسيًا خالدًا في أفلام مثل Nosferatu (1922) وMetropolis (1927)، حيث تشوّهت الظلال والعمارة لتعكس قلق الإنسان الحديث.

شكّل ظهور الصوت مع فيلم The Jazz Singer (1927) نقطة تحوّل جذرية في تاريخ السينما. ورغم القيود التقنية الأولى، أعاد الصوت تشكيل السرد السينمائي، مانحًا الحوار والموسيقى دورًا دراميًا أساسيًا، وممهّدًا لظهور أنواع جديدة مثل الأفلام الموسيقية وأفلام العصابات. واجه كثير من نجوم الصامت صعوبة في التكيّف، بينما استطاع آخرون، مثل غريتا غاربو في Anna Christie (1930)، العبور إلى العصر الجديد بنجاح.

في العصر الذهبي لهوليوود، ازدهرت السينما بوصفها صناعة وفنًا في آن واحد. عكست أفلام العصابات مثل Scarface وThe Public Enemy أجواء الكساد الكبير، بينما منحت الكوميديا والموسيقى الجمهور متنفسًا من قسوة الواقع. ومع أفلام مثل The Wizard of Oz وGone with the Wind، بلغ اللون والمشهدية ذروة الإبهار، قبل أن يأتي Citizen Kane (1941) ليعيد تعريف اللغة السينمائية عبر السرد غير الخطي، والتصوير العميق، والتحليل النفسي للشخصية.

لم تكن السينما بالنسبة إليّ يومًا مجرد وسيلة ترفيه أو هروب من الواقع، بل كانت – وما زالت – جزءًا أساسيًا من تكويني الفكري والإنساني. فمن خلال الأفلام، تعلّمت أن أنظر إلى الحياة بعمق أكبر، وأن أفهم الإنسان في تناقضاته، في ضعفه وقوته، وفي أحلامه وانكساراته، ونقطة مهمة اود ان اذكرها الانتقاء الجيد للافلام مهم جدا و القيمة الفنية وليس بالكمية وانا شخصيا قد اشاهد بالشهر فيلم واحد أو أثنين بعكس شخص اخر قد شاهد ٢٠ فيلما لكن دون قيمة فنية تذكر أو جماليه موجوده بالفيلم.

هناك أفلام مثل The Shawshank Redemption علمتنا أن الأمل ليس فكرة مجردة، بل موقف أخلاقي في وجه القهر، وأن الصبر قد يكون فعل مقاومة صامت. أما Forrest Gump فقد أعاد تعريف الحكمة في بساطتها، مذكّرًا بأن النقاء الإنساني قادر أحيانًا على التفوّق على التعقيد والدهاء.

وفي 12 Angry Men أدركنا كيف يمكن لحوار واحد، قائم على الشك العقلاني والضمير، أن يغيّر مصير إنسان، وكيف تصبح العدالة هشّة حين تستند إلى الأحكام المسبقة. بينما قدّم The Godfather درسًا قاسيًا في السلطة والعائلة، مظهرًا كيف يتحوّل الولاء إلى عبء، والأخلاق إلى ضحية حين تُدار القوة بلا مساءلة.

كشفت لنا السينما أيضًا تعقيد النفس البشرية ومناطقها المظلمة. ففي Taxi Driver وJoker رأينا كيف يمكن للعزلة، والتهميش، والضغط الاجتماعي أن تدفع الإنسان إلى الانفجار، ما جعلنا أكثر وعيًا بأهمية الصحة النفسية، وأكثر تعاطفًا مع من يعانون بصمت. وعلى الجانب الآخر، عرّى Whiplash الوجه القاسي للطموح، حين يتحوّل الشغف إلى هوس، ويصبح النجاح مبررًا للأذى.

أما أفلام الحرب، مثل Saving Private Ryan وSchindler’s List، فقد نزعت عن الحرب أي رومانسية زائفة، وقدّمتها بوصفها مأساة إنسانية شاملة، حيث تتقاطع البطولة مع الذنب، والنجاة مع الألم، ويصبح الاختيار الأخلاقي أثقل من السلاح.

وساهمت السينما في صقل الحس الجمالي، خصوصًا مع أفلام مثل Cinema Paradiso، التي علمتنا كيف يمكن للصورة والموسيقى والحنين أن تصنع ذاكرة جمعية، وكيف يتحوّل الفن إلى جزء من سيرة الإنسان الذاتية. وفي المقابل، دفعتنا أفلام مثل Blade Runner إلى التأمل في أسئلة وجودية عميقة حول معنى الإنسانية، والهوية، والذكريات، وحدود الإنسان في عالم آلي.

ولم تغب القضايا الاجتماعية عن هذا التكوين، فقد كشف Parasite بذكاء قاسٍ الفجوة الطبقية وآثارها الخفية، بينما أكّد V for Vendetta أن الوعي والفكرة قد يكونان أقوى من القمع، وأن الفن قادر على أن يكون أداة مقاومة وتغيير.

في النهاية..ذكرت بعض الافلام كأمثلة سريعة واخترت الاكثر شهرة لتسهيل الموضوع على القراء عموما اود انهي الموضوع واقول ان السينما ليست مجرد حكايات تُروى، بل تجارب تُعاش ودروس تُختزن في الذاكرة. هي مرآة للإنسان، ونافذة على العالم، ومساحة يلتقي فيها العقل بالعاطفة. ولهذا ستبقى السينما بالنسبة إليّ مدرسة مفتوحة؛ كل فيلم فيها درس جديد، وكل مشاهدة رحلة مختلفة نحو فهم أوسع للحياة.

أضف تعليق