من الشاشة الكبيرة إلى المنصات الرقمية

في عالم الترفيه الذي يشهد تحولات جذرية، يبرز سؤال جوهري يشغل بال الجميع: ما هو مستقبل التوزيع السينمائي في ظل التوحيد المتسارع الذي تشهده هوليوود؟ إذ تبتلع منصات البث الرقمي الاستوديوهات التقليدية واحدًا تلو الآخر، يتساءل عشاق السينما عما إذا كانت أفلامهم المفضلة ستظل تُعرض على الشاشات الكبيرة، أم ستُحصر في جدران المنازل.

هذا القلق لا يقتصر على الجمهور فحسب، بل يسيطر على أصحاب دور السينما الذين يترقبون عودة قوية للعروض الحصرية، ويأملون في تمديد الفترة الزمنية التي تفصل بين العرض السينمائي والانتقال إلى المنصات الرقمية. وفي هذا السياق، لجأت منظمة “سينما يونايتد”، التي تمثل أصحاب دور السينما في أمريكا الشمالية، إلى الكونغرس الأمريكي لتقديم تحذير صريح: لا يجوز السماح لأي جهة بشراء وارنر بروس، خاصة إذا كانت نتفليكس الطرف المقابل.

يُعد احتمال اندماج نتفليكس مع وارنر بروس ديسكفري تهديدًا وجوديًا لتجربة المشاهدة السينمائية التقليدية. فنتفليكس، كمنصة بث رقمي، لا تولي اهتمامًا يُذكر بدور السينما المحلية، وتفضل إبقاء محتواها حصريًا على خدمتها لتعزيز اشتراكاتها. رغم الوعود بإكمال الجدول السينمائي الحالي لوارنر بروس، إلا أن التقارير المتضاربة حول مدة العروض، وعدم وجود ضمانات للاستمرارية بعد انتهاء العقود، تثير مخاوف عميقة.

تاريخيًا، كانت وارنر بروس من أبرز الاستوديوهات التزامًا بالأولوية السينمائية، لكن تحت سيطرة نتفليكس – التي هي في الأساس شركة تقنية – قد يتكرر سيناريو اندماج ديزني مع فوكس، الذي أدى إلى تقليص الإنتاج وانخفاض عدد الأفلام المعروضة في الصالات. والأسوأ، أن ينتهي الأمر بعدم عرض أي فيلم من مكتبة وارنر بروس في دور السينما مطلقًا.

أمام الكونغرس، ركزت “سينما يونايتد” على ثلاثة مخاطر رئيسية: أولاً، انخفاض الإنتاج الناتج عن دمج محركي إبداع كبيرين في كيان واحد مهيمن؛ ثانيًا، اختصار فترة العرض السينمائي إلى أيام معدودة (11-17 يومًا في المتوسط لدى نتفليكس)، مما يحرم الأفلام من بناء زخم شفهي؛ ثالثًا، التأثير الاقتصادي المتسلسل، إذ يولد كل دولار يُنفق في دار سينما نحو 1.5 دولار إضافي للأعمال المحيطة كالمطاعم والمحلات. انتقال الترفيه إلى المنازل يعني ضربة موجعة للاقتصاد المحلي، وقد تمتد تداعياتها إلى الساحة السياسية.

هذه التغييرات لا تؤثر على الجمهور والصالات فحسب، بل تمس جوهر صناعة الأفلام ذاتها. بالنسبة لكتاب السيناريو والمخرجين، يعني الاندماج تحولاً في آليات الإنتاج والتوزيع، وتقليصًا للفرص المتاحة لبناء مسيرة مهنية مستدامة. قد يؤدي انخفاض عدد الأفلام المنتجة إلى تضاؤل الوظائف والإبداع، رغم أن امتلاك نتفليكس لوارنر بروس قد يمنح ميزانيات أكبر لبعض المشاريع المرموقة. إلا أن فرصة عرض فيلم في قاعة كبيرة لأسابيع متتالية ستصبح نادرة جدًا، إذ تسيطر نتفليكس على التوزيع كليًا.

في النهاية، وبينما تقترب نتفليكس من إتمام الصفقة، يبدو تدخل الحكومة غير مرجح. لكن التداعيات بدأت تلوح في الأفق، محملة بتحولات عميقة قد تعيد رسم خريطة صناعة السينما إلى الأبد. هل نشهد فعلاً نهاية عصر الشاشة الكبيرة، أم أن هناك مفاجآت تنتظرنا؟ الزمن كفيل بالكشف، غير أنني أرجح – للأسف – أن يؤدي استحواذ المنصات الرقمية على معظم شركات الإنتاج الكبرى إلى تلاشي متعة شراء التذاكر والانتظار الحماسي لفيلم جديد في الصالات، ليحل محله مجرد تنبيه هاتفي بصدور عمل جاهز للمشاهدة الفورية.

أضف تعليق