سيدني آرثر لوميت (1924-2011)، أحد أعظم المخرجين السينمائيين الأمريكيين في القرن العشرين، ولد في فيلادلفيا بولاية بنسلفانيا في 25 يونيو 1924، لأبوين يهوديين مهاجرين من بولندا: الأب باروخ لوميت، ممثل ومخرج في المسرح اليديشي، والأم أوجينيا ويرموس، راقصة. نشأ لوميت في بيئة فنية، إذ بدأ مسيرته الفنية طفلاً في المسرح اليديشي وبرودواي، حيث شارك في مسرحيات مثل “ديد إند” عام 1935، وظهوره السينمائي الأول في فيلم قصير عام 1939.
خدم في الجيش الأمريكي خلال الحرب العالمية الثانية، ثم عاد ليدرس التمثيل ويؤسس فرقة مسرحية خارج برودواي مع نجوم مستقبليين مثل يول برينر. انتقل إلى التلفزيون في الخمسينيات، حيث أخرج مئات الحلقات الحية، مما صقل مهاراته في الإخراج السريع والعمل مع الممثلين تحت ضغط زمني.
بدأ مسيرته السينمائية عام 1957 بفيلم “12 رجلاً غاضباً” (12 Angry Men)، الذي حقق نجاحاً نقدياً هائلاً وترشيحات للأوسكار، وأصبح علامة فارقة في السينما الأمريكية. أخرج أكثر من 40 فيلماً على مدى خمسة عقود، معظمها في نيويورك، التي أحبها بعمق، وتركزت أعماله على الدراما الاجتماعية، قضايا العدالة، الفساد، والصراعات النفسية والأخلاقية. من أبرز أفلامه: (The Pawnbroker, 1964)، (Dog Day Afternoon, 1975)، (Network, 1976) الذي فاز بجوائز أوسكار متعددة، (The Verdict, 1982)، و (Before the Devil Knows You’re Dead, 2007)، آخر أفلامه.
كان لوميت معروفاً بكونه “مخرج ممثلين”، إذ أخرج أداءً استثنائياً من نجوم مثل هنري فوندا، آل باتشينو، بول نيومان، وفاي دوناوان. حصل على جائزة أوسكار فخرية عام 2005 عن إسهاماته مدى الحياة، وترشح أفلامه لأكثر من 50 جائزة أوسكار. توفي في نيويورك عام 2011 بسبب سرطان اللمفوما، تاركاً إرثاً يُعتبر من أكثر الإرثات إنتاجية وتأثيراً في السينما الأمريكية الحديثة، مع أسلوبه الواقعي الذي يجمع بين الطاقة والعمق الإنساني.
الكتاب: “فن الإخراج السينمائي”

صدر الكتاب الأصلي عام 1995 بعنوان “Making Movies”، وهو خلاصة تجربة لوميت المهنية على مدى خمسين عاماً في صناعة الأفلام. ترجم إلى العربية بعنوان “فن الإخراج السينمائي” بواسطة أحمد يوسف، وصدر عن المركز القومي للترجمة في مصر عام 2014. يُعد الكتاب مزيجاً بين السيرة الذاتية والدليل العملي، يشرح عملية صناعة الفيلم خطوة بخطوة من منظور المخرج، مع أمثلة من أفلامه الشهيرة.
يؤكد لوميت أن الإخراج هو “أفضل وظيفة في العالم”، لكنه يجمع بين الفن والحرفة والتعاون الجماعي. يرى المخرج قائداً لأوركسترا، يحترم كل مشارك – من الكاتب إلى أصغر عامل فني – ليحقق رؤية موحدة. يجيب الكتاب على السؤال الأساسي: “كيف تحكى القصة؟”، من خلال استكشاف العناصر التقنية والإبداعية، مع قصص شخصية عن تعامله مع نجوم مثل كاثرين هيبورن، مارلون براندو، وآل باتشينو.
فصول الكتاب الرئيسية
يتبع الكتاب تسلسل عملية الإنتاج السينمائي، مع فصول مخصصة لكل مرحلة:
- المخرج: أفضل وظيفة في العالم – مقدمة عن دور المخرج وشغفه بالمهنة.
- السيناريو: هل الكتاب ضروريون؟ – اختيار النص وتطويره.
- الأسلوب: الكلمة الأكثر سوء استخدام منذ الحب – كيف يخدم الأسلوب البصري المحتوى.
- الممثلون: هل يمكن لممثل أن يكون خجولاً حقاً؟ – العمل مع الممثلين والتدريبات.
- الكاميرا: صديقتك الأفضل – التصوير والعدسات والإضاءة.
- الديكور والأزياء – بناء العالم البصري للفيلم.
- تصوير الفيلم: أخيراً! – مرحلة التصوير الفعلية.
- الراشات: العذاب والنشوة – مشاهدة اللقطات اليومية.
- غرفة المونتاج: وحدي أخيراً – عملية التحرير.
- صوت الموسيقى: صوت الصوت – إضافة الموسيقى والمؤثرات الصوتية.
- المزج: الجزء الوحيد الممل في صناعة الأفلام – مزج الصوت.
- النسخة النهائية والاستوديو – اللمسات الأخيرة والتسويق والتوزيع.
يُعد “فن الإخراج السينمائي” من أهم الكتب في نظرية السينما العملية، ليس لأنه دليل تقني جاف، بل لأنه يجمع بين الصدق الشخصي والعمق الفلسفي. قوة الكتاب تكمن في توازنه بين الجانب الفني والإنساني: لوميت لا يتحدث فقط عن العدسات أو المونتاج، بل عن كيفية تحويل النص إلى تجربة عاطفية، مع التركيز على “الرؤية المركزية” التي تخدم القصة دون إفراط في الزخرفة البصرية.
من أبرز أفكاره مفهوم “مخطط العدسات” (lens plot)، حيث يستخدم العدسات لتعزيز الدراما – مثل استخدام عدسات واسعة للتشويه في مشاهد التوتر، أو طويلة للعزلة. يؤكد على التعاون كسر النجاح، محترماً كل قسم فني، ويشارك قصصاً طريفة وصادقة عن نجومه، مما يجعل الكتاب ممتعاً كرواية.
ستيفن سبيلبرغ وكوينسي جونز وصفوه بـ”الكتاب المقدس لصناعة الأفلام”، لأنه يزيل الغموض عن العملية المعقدة، ويجعل القارئ يقدر السينما أكثر. رغم أن بعض التفاصيل التقنية أصبحت قديمة مع التحول الرقمي، إلا أن جوهره – الشغف، الاحترام، والتركيز على الحكاية – خالد. الكتاب مثالي للطلاب، المخرجين الناشئين، والنقاد، إذ يفتح أبواباً لفهم كيف تتحول الصفحات إلى شاشة ساحرة، ويذكرنا بأن السينما فن جماعي يقوده قلب واحد.
لتحميل الكتاب : هنـــــا


أضف تعليق