فيلم “The Killing” لعام 1956، الذي يُعد الثاني في مسيرة المخرج والمؤلف الراحل ستانلي كوبريك بعد فيلمه “Killer’s Kiss” في عام 1955، يمثل نقلة نوعية في عالم أفلام الجريمة والسرقة. هذا العمل السينمائي يغوص في أعماق عالم المجرمين بطريقة عبقرية، حيث يروي قصة جوني كلاي، الرجل الذي قضى خمس سنوات في سجن الكاتراز الشهير، ليخرج مصمماً على العودة إلى طريقه القديم في الجريمة، لكن هذه المرة بخطة مدروسة ومنظمة بدقة متناهية. يهدف جوني إلى سرقة مليوني دولار من مضمار سباق خيول محلي، معتمداً على فريق من المجرمين المتنوعين، حيث يُكلّف كل فرد بمهمة محددة تتداخل مع الآخرين كقطع في لوحة ألغاز. وفقاً لخطته، ستكون العواقب معدومة تماماً، إذ يُحسب كل تفصيل ليضمن نجاحاً سلساً، لكن كما هو حال معظم عمليات السرقة في الأفلام النوارية، تظهر مشكلة غير متوقعة تحول الخطة إلى كارثة. وهنا تكمن نقطة الضعف الرئيسية: زوجة أحد أفراد العصابة، وهي شخصية طماعة وخائنة، تخونه مع رجل يدعى فال، الذي يخطط بدوره لسرقتهم بعد إتمام العملية إذا نجحت، مما يضيف طبقة من الخيانة والتوتر النفسي إلى القصة.

ما يميز هذا الفيلم بشكل استثنائي هو السيناريو العبقري، الذي يتلاعب بالأزمنة أثناء تنفيذ العملية بطريقة مبتكرة تجعل المشاهد يشعر وكأنه يتابع مباراة شطرنج حية. يتنقل السرد بين مجيء وذهاب أفراد العصابة إلى المضمار، مع تكرار بعض المشاهد من زوايا مختلفة ليبرز الدقة في التوقيت والتنسيق. ويأتي صوت الراوي هنا كعنصر ممتاز، يضيف عمقاً وإيقاعاً يجعل الأحداث أكثر تماسكاً وتشويقاً، كأنه يرشدنا خطوة بخطوة في عقل المخطط الرئيسي. هذا التلاعب الزمني ليس مجرد حيلة فنية، بل يعكس عبقرية كوبريك في بناء التوتر، حيث يشعر المشاهد بالقلق المتزايد مع كل تحول غير متوقع، مما يجعل الفيلم يشبه أعمالاً لاحقة مثل “Pulp Fiction” في استخدام الهيكل غير الخطي.

أما الإخراج، فهو خورافي بحق، ولم أتوقع أن يعجبني الفيلم إلى هذا الحد، “The Killing” يظهر كوبريك هنا كمخرج يجمع بين الواقعية الحادة والحرفية الفنية، مستخدماً لقطات حقيقية في المضمار وصوراً وثائقية تشبه صوره الفوتوغرافية المبكرة. الأداءات ممتازة، مع تألق ستيرلينغ هايدن في دور جوني كلاي كمهندس جريمة بارد العواطف، وإليشا كوك جونيور في دور الضعيف جورج بيتي، إضافة إلى ماري ويندسور كزوجة خائنة تضيف لمسة من الدراما العاطفية. العالم الذي يرسمه الفيلم مليء بالأوغاد والحمقى الذين يعيشون للجريمة، دون أبطال حقيقيين، مما يعزز الطابع النواري الكئيب والمشوق.
الخاتمة، على وجه الخصوص، خيالية وتستحق تقييماً منفرداً، إذ تأتي كصفعة غير متوقعة تحول كل الخطط رأساً على عقب، مع لمسة من السخرية السوداء التي تذكر بأفلام كوبريك اللاحقة مثل “Dr. Strangelove”. هذا الفيلم ليس مجرد قصة سرقة، بل دراسة في الكمالية والفشل البشري، وهو ما جعله من أفلامي المفضلة على الإطلاق. تقييمي الشخصي: 10/10.


أضف تعليق