في اعماق الخيال السينمائي حيث تتلاقى الدراما الانسانية مع الاثارة الجامحة تقف سلسلة مد ماكس كواحدة من ابرز الابداعات في تاريخ السينما خاصة في مجال الافلام الديستوبية والاكشن ما بعد نهاية العالم. بدات هذه السلسلة كفيلم استرالي متواضع في عام 1979 لكنها سرعان ما تحولت الى ظاهرة عالمية اثرت في ثقافة البوب والسينما مستلهمة من ازمات حقيقية مثل ازمة النفط في السبعينيات ومستقبل يتخيله جورج ميلر كعالم ينهار تحت وطاة الجشع البشري والحروب على الموارد. تخيل عالما يسوده الجفاف والغبار حيث اصبحت السيارات الوحشية رموزا للقوة والحرية والطرق المهجورة مسارحا لمعارك دامية تذكر باساطير الغرب المتوحش لكن مع لمسة ديزلبانك قاسية تجمع بين التقنية العتيقة والفوضى البشرية.

السلسلة التي ابدعها جورج ميلر بالتعاون مع بايرون كينيدي لا تتبع تسلسلا زمنيا صارما بل هي روايات اسطورية تروى كحكايات شعبية من قبل الناجين مليئة بالتناقضات المتعمدة لتعزيز الجو الخرافي. بطلها الرئيسي ماكس روكاتانسكي يلعب في معظم الاجزاء بمل غيبسون ثم توم هاردي هو شرطي سابق تحول الى متجول وحيد يعاني من صدمات الماضي ويتنقل بين جيوب الحضارة المتداعية محاولا ايجاد السلام في عالم يسيطر عليه اللصوص والحروب على الماء والوقود. ما يميز ماد ماكس ليس فقط مشاهد السيارات المتفجرة والمطاردات الجنونية بل الاستكشاف العميق للطبيعة البشرية كيف ينهار المجتمع الى قبائل متوحشة وكيف يولد الامل من الرماد وكيف تتحول الفقدان الى قوة دافعة.
منذ اصدار الفيلم الاول الذي حقق ارباحا هائلة رغم ميزانيته الضئيلة اصبحت السلسلة مصدر الهام لافلام مثل ووتر ورلد وذا بوك اوف الي واثرت في الالعاب والرسوم المتحركة وحتى في الموضة والموسيقى الالكترونية. بحلول عام 2015 مع ماد ماكس فيوري رود عادت السلسلة الى الواجهة بقوة محطمة الارقام القياسية وحاصلة على ست جوائز اوسكار لتثبت انها ليست مجرد افلام اكشن بل تامل فلسفي في نهاية العالم. في هذا الموضوع الشامل سنغوص في كل فيلم من الاجزاء الرئيسية مع مراجعة بسيطة لقصته وانتاجه واستقباله النقدي.

الفيلم الاول: Mad Max 1979
يدور الفيلم الاول في استراليا المستقبلية القريبة حيث يعمل ماكس روكاتانسكي مل غيبسون كشرطي مرور في وحدة خاصة تحاول الحفاظ على النظام في مجتمع يتفكك بسبب الجريمة المنظمة وازمة الوقود. يواجه ماكس عصابة دراجات نارية متوحشة بقيادة توبيك الذين يهاجمون المدنيين بلا رحمة. يحاول ماكس الحفاظ على حياته العائلية الهادئة مع زوجته جيسي وابنه لكن الصراع يصل ذروته عندما تقتل العصابة عائلته في حادث مدبر مما يدفع ماكس الى رحلة انتقامية دامية تنتهي بمطاردات سيارات اسطورية ومواجهات عنيفة. الفيلم مصور بميزانية محدودة في سيدني ومناطق ريفية ويعتمد على كاميرا يدوية ومؤثرات عملية بسيطة مما يمنحه طابعا واقعيا قاسيا.
كان الفيلم نجاحا تجاريا هائلا حقق اكثر من 100 مليون دولار عالميا وفتح الابواب للسينما الاسترالية في الاسواق الدولية. النقاد اشادوا باداء غيبسون الخام والطاقة الجامحة رغم بعض الانتقادات للحوارات البسيطة. يعتبر الفيلم اساسا للسلسلة مقدم مواضيع الفقدان والعزلة التي ستتطور لاحقا. تقييمه على imdb 6.8/10.

الفيلم الثاني: Mad Max 1981
يرتفع مستوى الانتاج في هذا الجزء ويغوص العالم في الانهيار الكامل بعد حرب عالمية على الموارد. ماكس المتجول الوحيد يعثر على مجتمع صغير من عمال نفط يدافعون عن مصدر وقودهم ضد عصابة مرتزقة بقيادة هومي. يجبر ماكس على المساعدة في نقل الوقود عبر الصحراء في رحلة مليئة بمطاردات سيارات حماسية ومعارك جماعية. الفيلم مصور في صحراء استراليا الجنوبية ويعتمد على مؤثرات عملية مذهلة مثل سيارات معدلة حقيقية.
الاستقبال كان مذهلا واصبح الفيلم ناجح عالميا مشيدا بايقاعه السريع وتصويره السينمائي واستكشافه لمواضيع الانسانية المفقودة والامل في التعاون. يعتبر هذا الجزء قمة السلسلة في الثمانينيات مستوحى من الويسترن الكلاسيكي. تقييمه على imdb 7.6/10.

الفيلم الثالث: Mad Max 1985
ينتقل الإعداد في هذا الجزء إلى اقتصاد تبادلي متوحش تماما حيث تسيطر مدينة بارترتاون كمركز تجاري قاس تحت حكم عمة انتيتي التي تجسدها تينا تيرنر بقوة وحضور لا ينسى. ماكس بعد أن يسرق منه لصوص جوالون جمالَه وسيارته يصل إلى المدينة ويبرم صفقة مع انتيتي لاستعادة ممتلكاته مقابل مهمة خطيرة: مواجهة ماستر بلاستر في ثندردوم وهي قبة حديدية عملاقة تعمل كساحة للمعارك الملحمية حيث يدخل رجلان ويخرج واحد فقط حسب قاعدتها الشهيرة “two men enter one man leaves”. بعد انتصاره في المعركة يكتشف ماكس أن بلاستر ليس مجرد خصم بل شخص ذو إعاقة ذهنية يُسيطر عليه ماستر الذكي القزم فترفض ماكس قتله مما يغضب انتيتي وتُنفذ حكم العجلة عليه بالنفي إلى الصحراء.
يتحول الفيلم جذريا بعد ذلك إلى قصة مختلفة حيث ينقذ ماكس قبيلة من الأطفال الضائعين الذين نجوا من تحطم طائرة بوينغ 747 قبل سنوات ويعيشون في واحة مخفية ينتظرون عودة “الكابتن ووكر” البطل الأسطوري الذي يعتقدون أنه سيأخذهم إلى “أرض الغد” أي الحضارة المفقودة. يرفض ماكس في البداية دوره كمنقذ لكنه يقتنع تدريجيا ويقودهم في رحلة عبر الصحراء نحو بارترتاون مرة أخرى لمواجهة انتيتي واستعادة ما فقدوه مع مطاردة نهائية مليئة بالسيارات والقطارات والدراجات النارية.
الفيلم يمزج بين الاكشن الخام والفانتازيا الغريبة مع مشاهد غنائية مميزة خاصة أداء تينا تيرنر التي تقدم شخصية انتيتي كاريزمية قوية تجمع بين الشر والجاذبية وتصميم مدينة تحت الأرض مذهل يعتمد على الغاز الميثان المستخرج من تربية الخنازير مما يضيف طبقة اجتماعية عميقة للعالم المتداعي. من الناحية النقدية تلقى الفيلم استقبالا مختلطا جدا فبعض النقاد مثل روجر إيبرت أشادوا به كأفضل أجزاء السلسلة في وقته معتبرينه رؤية بصرية مذهلة ومغامرة فلسفية مليئة بالعجائب بينما انتقد آخرون الانقسام الواضح بين النصف الأول الذي يركز على القتال الوحشي والنصف الثاني الذي يميل إلى قصة أطفال ومغامرة أكثر ليونة مقارنة بالعنف الخالص في الجزأين السابقين مما جعله يبدو أقل تماسكا وأكثر تأثرا بضغوط هوليوود لتخفيف الوحشية وجعله مناسبا لجمهور أوسع. أداء تينا تيرنر يُعتبر من أبرز نقاط القوة حيث سرقت الأضواء بحضورها القوي وخطابها المميز مما جعل انتيتي واحدة من أكثر الشريرة تذكرا في تاريخ السلسلة. مع ذلك أصبح الفيلم كلاسيكيا لمشاهده الثقافية الأيقونية مثل ثندردوم وقاعدته الشهيرة والعجلة التي تحكم المصائر وتصميم بارترتاون الفريد. تقييمه على imdb 6.2/10.

الفيلم الرابع: Mad Max 2015
يعود جورج ميلر بعد غياب طويل (٣٠ سنة) إلى السلسلة بميزانية هائلة بلغت نحو 150 مليون دولار أمريكي تقريبا ويحول التركيز الرئيسي إلى شخصية امبراطور فيوريوسا التي تجسدها شارليز ثيرون بقوة وكاريزما لا تُنسى كبطلة مركزية بينما يلعب توم هاردي دور ماكس روكاتانسكي كدور مساند يبدأ كأسير ويتطور تدريجيا إلى حليف. الفيلم يدور في عالم ما بعد الانهيار حيث يسيطر الطاغية ايمورتان جو هيو كيز بيرن الذي عاد ليؤدي دورا شريرا آخر بعد توبيك في الفيلم الأول على القلعة المعروفة بالسيتادل ويحتكر الماء والحليب والنساء كممتلكات شخصية يستخدمهن كـ”مزارع” لإنتاج ورثة أصحاء. فيوريوسا التي فقدت ذراعها وأصبحت قائدة عسكرية مخلصة ظاهرا لجو تقرر التمرد وتهرب مع خمس من زوجات جو اللواتي يُدعين “زوجات التربية” Toast the Knowing وCapable وThe Dag وCheedo the Fragile وSplendid Angharad الحامل في رحلة نحو “المكان الأخضر” الذي تؤمن أنه ملاذ آمن خصب بعيدا عن الاستبداد.
تبدأ القصة بسرعة جنونية حيث يُقبض على ماكس من قبل الـ”وار بويز” الشباب المخلصين لجو الذين يرون الموت في المعركة طريقا إلى “فال هالا” ويُستخدم كـ”دم بنك” حي لنُكس أحد الوار بويز. تنطلق مطاردة سيارات هائلة تمتد على مدار الفيلم كله تقريبا 120 دقيقة متواصلة من الإثارة غير المنقطعة تقريبا مع تغييرات في الاتجاه والتحالفات. ينضم ماكس إلى فيوريوسا بعد أن يتحرر ويشارك في مواجهات مع جيش جو الذي يشمل سيارات عملاقة ودراجات نارية وشاحنات مسلحة بأسلحة ثقيلة. يبرز نُكس كشخصية تتطور من متعصب إلى متردد ثم حليف يضحي بنفسه في النهاية. الفيلم يعتمد بشكل كبير على كاسكيدات حقيقية مذهلة تم تصوير معظمها في ناميبيا وأستراليا مع أكثر من 150 سيارة معدلة يدويا وقليل من الـCGI لتعزيز الواقعية مما يجعل المشاهد تبدو خامة وقاسية. الموسيقى الإلكترونية الصاخبة من تأليف Junkie XL تضيف طاقة هائلة وتجعل الإيقاع يشبه أوبرا أكشن بصرية.
من الناحية النقدية كان الاستقبال ثوريا وشبه إجماعي حيث حصل الفيلم على تقييم 97% على Rotten Tomatoes واعتبر من أفضل أفلام العقد بل ومن أعظم أفلام الأكشن في التاريخ. النقاد أشادوا بإخراج ميلر الديناميكي الذي يجمع بين السرعة والجمال البصري والتحرير الاستثنائي الذي جعله يفوز بجائزة أفضل مونتاج في الأوسكار. كما أبرزوا الرسالة النسوية الخفية والقوية من خلال شخصية فيوريوسا وزوجات جو اللواتي يهربن من الاستعباد الجنسي والاستغلال مما جعل الفيلم يُنظر إليه كعمل تحرري في سياق أفلام الأكشن. المؤثرات العملية والتصميم الإنتاجي والأزياء والمكياج حصدت ست جوائز أوسكار من أصل عشر ترشيحات بما في ذلك أفضل تصميم إنتاج وأفضل مونتاج وأفضل صوت. حقق الفيلم نجاحا تجاريا كبيرا بإيرادات تجاوزت 380 مليون دولار عالميا. تقييمه على imdb 8.1/10 بناء على أكثر من مليون صوت.

الفيلم الخامس: Mad Max 2024
يُعد هذا الفيلم سابقة زمنية (prequel) لفيوري رود ويروي قصة امبراطور فيوريوسا على مدى خمسة عشر عاما تقريبا منذ طفولتها حتى تصبح المحاربة القاسية التي نعرفها. تبدأ القصة مع فيوريوسا الطفلة التي تلعبها أليلا براون وهي تعيش في المكان الأخضر للأمهات المتعددات وهو واحة خصبة نادرة في الصحراء الجرداء. تُخطف من قبل عصابة دراجات نارية تابعة للورد الحرب المتوحش ديمينتوس الذي يجسده كريس هيمسوورث بأداء كاريزمي مظلم ومخيف يجمع بين الجنون والذكاء الماكر. تحاول أمها إنقاذها في مطاردة دامية لكنها تفشل وتموت مما يترك فيوريوسا وحدها في قبضة ديمينتوس الذي يعاملها كغنيمة ثم يبيعها أو يتخلى عنها لصالح ايمورتان جو بعد صراع على السلطة بين الاثنين.
تنتقل فيوريوسا إلى السيتادل تحت سيطرة جو حيث تُجبر على العمل كعبدة ثم تتدرب تدريجيا على القتال والقيادة مستخدمة ذكاءها وصبرها الطويل لتخطيط الانتقام والعودة إلى المكان الأخضر. يقسم الفيلم إلى خمسة فصول تُظهر مراحل تطورها من الطفلة البريئة إلى الشابة القوية التي تلعبها أنيا تايلور-جوي بأداء صامت نسبيا لكنه قوي جدا يعتمد على نظراتها الحادة وحضورها الجسدي. الفيلم مليء بمعارك سيارات هائلة ومطاردات صحراوية مذهلة تشمل دراجات نارية وشاحنات عملاقة ومواجهات بين جيش ديمينتوس وعصابات جو بالإضافة إلى مشاهد بناء شخصية عميقة تركز على فقدان الإنسانية والثأر والأمل المفقود.
من الناحية التقنية يحافظ ميلر على أسلوبه المميز مع الاعتماد الكبير على المؤثرات العملية رغم استخدام أكثر للـCGI مقارنة بفيوري رود مما أثار بعض الانتقادات. التصوير البصري مذهل خاصة في مشاهد الصحراء الواسعة والسيارات المتفجرة والموسيقى الإلكترونية الصاخبة تعزز الإيقاع الملحمي. أداء تايلور-جوي يُثنى عليه كثيرا لقدرتها على نقل الصمود والغضب دون كلام كثير بينما يسرق هيمسوورث الأضواء بدور ديمينتوس الذي يجمع بين الفكاهة السوداء والشر المطلق.
النقاد أشادوا بالتصوير البصري الاستثنائي والأداءات القوية خاصة تايلور-جوي وهيمسوورث واعتبروه إضافة قيمة للأسطورة تعمق شخصية فيوريوسا وتربطها بفيوري رود بشكل رائع مع إثراء العالم الخيالي. حصل على تقييم عال على Rotten Tomatoes بنسبة 90% من النقاد و89% من الجمهور مما جعله أعلى تقييما جماهيريا في السلسلة. ومع ذلك انتقد بعضهم الإيقاع البطيء نسبيا في بعض الفصول مقارنة بالسرعة الجنونية لفيوري رود والاعتماد الزائد على CGI في بعض المشاهد مما جعله أقل اندفاعا. تجاريا لم يحقق النجاح المتوقع حيث بلغت ميزانيته 168 مليون دولار وإيراداته العالمية حوالي 174 مليون دولار فقط مما اعتبر فشلا نسبيا رغم الإشادة النقدية. تقييمه على imdb 7.5/10 بناء على مئات الآلاف من التصويتات.

اللعبة المشتقة: Mad Max 2015
صدرت اللعبة في 2015 كلعبة اكشن مغامرات في عالم مفتوح تتبع ماكس في بناء سيارته مع الميكانيكي شامبكيت لمواجهة سكابروس سكروتوس. التركيز على قتال السيارات مع تخصيص السيارة ونظام قتال يدوي وعناصر بقاء. استقبالها مختلط مشيدا بالقتال السياراتي والعالم الواسع لكن منتقدا للقصة الضعيفة والتكرار، وانا شخصيا جربت اللعبة ومن اجمل الالعاب خصوصا موضوع العالم المفتوح.
واخيرا..

في قلب هذه السلسلة يقف جورج ميلر المخرج والكاتب الرئيسي الذي بدا الفكرة كتامل في الانهيار البيئي محولا صدماته الشخصية الى رؤية فلسفية عن البقاء والخلاص. في النهاية تذكرنا سلسلة ماد ماكس بان في اسوا الخراب ينبثق النور وان الحرية تكمن في الرحلة لا في الوصول. انها دعوة للتامل في عالمنا اليوم قبل ان يصبح خرابا وتبقي املا في ان من الرماد تولد اساطير جديدة.


أضف تعليق