سيرجيو ليوني، يختتم مسيرته السينمائية بتحفة درامية هائلة عام 1984: كان يا ما كان في أمريكا (بالإيطالية: C’era una volta in America)، وهو الجزء الثالث في ثلاثية “كان يا ما كان” بعد “كان يا ما كان في الغرب” و”كان يا مكان .. الثورة”. هذا الفيلم ليس مجرد ملحمة عصابات، بل هو تأمل فلسفي عميق في الصداقة، الخيانة، الندم، والحلم الأمريكي المحطم، يمتد عبر خمسة عقود من التاريخ الأمريكي، من عشرينيات القرن الماضي إلى الستينيات. مع موسيقى إنيو موريكوني التي تُعد من أعظم النتاجات الموسيقية في تاريخ السينما، وأداءات مذهلة من روبرت دي نيرو وجيمس وودز، يُعتبر الفيلم على نطاق واسع أحد أعظم الأعمال السينمائية، رغم معاناته من تدخلات الاستوديو التي حولت عرضه الأمريكي إلى كارثة. إنه وصية ليوني الأخيرة، يجمع بين الجمال البصري الخانق والعمق النفسي، محولاً قصة عصابات يهودية في نيويورك إلى دراما إنسانية خالدة تناقش فساد الروح البشرية والأمة.

تدور الأحداث في نيويورك، وتتبع حياة مجموعة من الأصدقاء اليهود منذ طفولتهم في أحياء الفقراء في العشرينيات، مروراً بصعودهم كعصابة خلال فترة الحظر (Prohibition)، وصولاً إلى لقاء مأساوي في الستينيات. البطل الرئيسي هو ديفيد “نودلز” أرونسون (روبرت دي نيرو)، الذي يهرب بعد خيانة يعتقد أنه ارتكبها، ثم يعود بعد عقود ليكتشف حقيقة مروعة. القصة غير خطية تماماً، مبنية على ذكريات، كوابيس، وأوهام أفيون، مع هيكل زمني معقد ينتقل بين 1921، 1933، و1968. يمزج الفيلم بين العنف الوحشي، الحب المدمر، والصداقة التي تتحول إلى خيانة، في خلفية تاريخية تعكس صعود وسقوط الحلم الأمريكي: من الفقر إلى الثراء غير المشروع، ثم إلى الانهيار الأخلاقي. النهاية الغامضة، التي تثير جدلاً لا ينتهي، تجعل الفيلم يتجاوز حدود النوع ليصبح تأملاً في الذاكرة والوهم.

استوحى ليوني من رواية “The Hoods” لهاري غراي (اسم مستعار لمجرم سابق)، وكتب السيناريو مع فريق إيطالي (ليوناردو بينفينوتي، بييرو دي برناردي، وآخرين) بعد رفض مسودة نورمان مايلر. السيناريو طويل (317 صفحة)، يعتمد على الصمت والرموز أكثر من الحوار، مع طبقات درامية عميقة: الجشع، الخيانة، والندم. ينتقد الفيلم الحلم الأمريكي بقسوة، محولاً قصة عصابات إلى ساتيرا على الرأسمالية والفساد، مع نقد لاذع للعنف الجنسي والسلطة. الهيكل غير الخطي يعكس الذاكرة المشوشة، ويبني توتراً نفسياً يصل ذروته في النهاية الغامضة.
يصل ليوني إلى قمة الهرم في مجال الاخراج بدون اي نقاش: لقطات طويلة مذهلة، زوم درامي على الوجوه، إيقاع بطيء ينفجر في عنف أنيق، وتصوير تونينو ديلي كولي يخلق عالماً من الظلال والضوء الذهبي. الفيلم يجمع الملحمية (مشاهد العصابات والحظر) و (علاقات الشخصيات)، ويستخدم الزمن كعنصر درامي رئيسي. المشاهد الشهيرة مثل العنف المأساوي، والمواجهات في الشوارع، واللقاء النهائي، تُعد من أعظم لحظات السينما.
الشخصيات: مجموعة معقدة نفسياً

- نودلز (روبرت دي نيرو): البطل المأساوي، بارد خارجياً لكنه يعاني ندماً عميقاً. أداء دي نيرو أيقوني، يجسد الانهيار الداخلي.
- ماكس (جيمس وودز): الصديق الخائن، طموح ووحشي، يسرق الأضواء بأداء مرعب.
- ديبورا (إليزابيث ماكغوفرن): حب نودلز المستحيل، تمثل الحلم الضائع. جينيفر كونلي في دورها الطفولي مذهلة.
- الشخصيات الثانوية (جو بيسي، تيت ويليامز) تضيف عمقاً.
الموسيقى هنا برأي الشخصي هي أعظم أعمال موريكوني: “ديبورا’s Theme” حزينة وشاعرية، اللحن الرئيسي يعبر عن الندم، مع مزيج من الجاز في العشرينيات و”Yesterday” للبيتلز للنوستالجيا. كتب موريكوني النتيجة قبل التصوير، وهي جزء أساسي من الدراما، تعزز التوتر والحزن.

الفيلم يناقش الذاكرة كوهم، الخيانة كقدر، والحلم الأمريكي كوهم مدمر. رموز مثل الهاتف الذي لا يتوقف، والأفيون، والصور المكسورة تعكس الانهيار النفسي، و الابداع في موضوع اختيار المواقع والتصوير المذهل، صور في نيويورك و روما اغلب الفيلم.
العرض الأوروبي (229 دقيقة) حصل على إشادة في كان، لكن النسخة الأمريكية (139 دقيقة، معدلة زمنياً) فشلت تجارياً ونقدياً. التقييم الحالي على Rotten Tomatoes 86% (نقاد) و93% (جمهور). النقاد يشيدون به ككلاسيكي:
- “تحفة بصرية وعاطفية” (روجر إيبرت).
- “أعظم فيلم عصابات” (عديد النقاد).

أثر في السينما الحديثة (تارانتينو، سكورسيزي)، ويُعتبر وصية ليوني. النسخة الممتدة (251 دقيقة) أقرب لرؤيته، والفيلم مُرمم ومتوفر بـ4K.
وبالنهاية هذا الفيلم اعتبره من اعظم الافلام بالتاريخ و أي مشاهد ومحب للسينما لابد ان يتفق لانه يعتبر من الاساسيات في عالم السينما وثورة واعظم اعمال المخرج الراحل ليوني، ناهيك عن الأداءات الاستثنائية، والموسيقى الخالدة، في قصة مأساوية تجعل الندم يستمر حتى الثانية الأخيرة. مشهد “ديبورا” والنهاية الغامضة من أجمل ما في السينما. إنه خاتمة مثالية لمسيرة ليوني، يستحق المشاهدة مرات عديدة.
معلومات إضافية
- صُوّر في إيطاليا وأمريكا، مع مشاهد خطرة حقيقية.
- رفض ليوني “العراب” لأجله.
- موريكوني كتب الموسيقى قبل التصوير.
- النسخة الأمريكية الأصلية كارثة، تجنبها.
- متوفر بنسخ 4K ممتازة (خاصة الإيطالية الأخيرة).
بالنهاية هذه مجرد مراجعة بسيطه لفيلم عظيم ولابد ان الكثير قد كتب عن الفيلم بعدة مواقع يذكرون تفاصيل عديدة عن الفيلم و الاسلوب والاداء والنهاية ولكن اختم هذه المراجعة:
” هو عمل ملحمي عن الذاكرة، والخيانة، والحلم الأميركي المكسور. الفيلم يتنقل بين مراحل زمنية مختلفة، كأنه يستعرض شريطًا تالفًا من ذكريات مشوشة لرجل عصابات سابق. سيرجيو ليوني يصنع تحفة بصرية وموسيقية، فيها من الألم ما يكفي لعصر القلب، ومن الجمال ما يكفي لرفع السينما إلى مستوى الشعر، ليس فيلمًا عن العصابات فقط، بل عن الوقت، وكيف يخوننا، وكيف نعيش على أطلال أنفسنا. ”


أضف تعليق