ليوني يختمم الثلاثية..و يصل إلى ذروة إبداعه في عام 1966 مع فيلمه الجيد والسيئ والقبيح (بالإيطالية: Il buono, il brutto, il cattivo)، الذي يُعد الجزء الثالث والأكثر كمالاً في ثلاثية الدولارات الأسطورية. هذا الفيلم ليس مجرد ويسترن تقليدي، بل ملحمة سينمائية واسعة النطاق تجسد توترًا نفسيًا خانقًا، وسخرية مريرة من الحرب والجشع البشري، وجمالًا بصريًا مذهلاً يرتقي بالنوع إلى مستوى الفن العالي. مع موسيقى إنيو موريكوني التي أصبحت رمزًا ثقافيًا عالميًا، يُعتبر الفيلم على نطاق واسع أحد أعظم الأعمال السينمائية في التاريخ، هنا يحول الكليشيهات الويسترنية إلى فن ينتقد الرومانسية الغربية التقليدية. إنه عمل يتجاوز حدود النوع، ليصبح دراسة في الأخلاق الغامضة، والعبثية الإنسانية في زمن الصراعات، ويؤكد على أن ليوني لم يكن يقلد الويسترن الأمريكي فحسب، بل أعاد اختراعه بأسلوب أوروبي ساخر وعميق.

قصة الفيلم تدور أحداث الفيلم في جنوب غرب الولايات المتحدة عام 1862، أثناء الحرب الأهلية الأمريكية، حيث يتنافس ثلاثة رجال على كنز من الذهب الكونفدرالي المدفون في مقبرة نائية. يبدأ الفيلم بمقدمة طويلة تُعرّف الشخصيات الرئيسية: “السيئ” (أنجل آيز، لي فان كليف)، قاتل محترف لا يرحم، يقتل عائلة بأكملها للحصول على معلومات عن الذهب؛ “القبيح” (توكو، إيلي والاش)، لص فوضوي ومضحك ينجو من كمين بفضل دهائه؛ وأخيرًا “الجيد” (بلوندي، كلينت إيستوود)، صياد جوائز بارد وذكي يتعاون مع توكو في عملية احتيالية لجمع الجوائز قبل أن يخونه. يلتقي الثلاثة في رحلة ملتوية مليئة بالتحالفات المؤقتة والخيانات المتكررة، وسط خلفية الحرب الأهلية التي تظهر كعبثية قاسية: جسر يُقاتل عليه يوميًا دون جدوى، معسكرات أسرى مليئة بالتعذيب، ومعارك تدمر كل شيء. يعرف بلوندي اسم القبر، بينما يعرف توكو وأنجل آيز موقع المقبرة، مما يؤدي إلى مواجهة نهائية أسطورية في مقبرة هائلة. القصة ليست مجرد مطاردة، بل دراسة في الجشع الذي يدفع الإنسان إلى حدود الجنون، مع نقد لاذع للحرب كخلفية تجعل الشخصيات تكشف عن أعماقها الأخلاقية الحقيقية.

كتب ليوني السيناريو بالتعاون مع لوتشيانو فينشينزوني وسيرجيو دوناتي وآخرين، مستلهمًا الكلاسيكيات الويسترنية مثل أعمال جون فورد، لكنه يقلبها رأسًا على عقب بإضافة طبقات درامية معقدة: الجشع، الخيانة، والعبثية في الحرب. الحوارات مقتصدة للغاية، حيث يسيطر الصمت والنظرات، مما يعطي الفيلم طابعًا أوبراليًا يعتمد على الإيقاع البصري أكثر من الكلمات. الشخصيات غامضة أخلاقيًا؛ لا يوجد بطل نقي أو شرير مطلق، بل درجات من الرمادي: بلوندي “الجيد” يخون شريكه، توكو “القبيح” يجسد الفوضى الكوميدية لكن مع عمق إنساني، وأنجل آيز “السيئ” يمثل الشر البارد. السيناريو يسخر من أساطير الويسترن التقليدي، محولاً البطل الرومانسي (مثل جون واين) إلى مضاد بطل عملي وغير رومانسي، وينتقد الرأسمالية من خلال الذهب كرمز للجشع الذي يدمر كل شيء. كما يبرز نقدًا حادًا للحرب الأهلية كاختبار أخلاقي: كيف يتصرف الإنسان في الفوضى؟ هذا البناء يجعل الفيلم ليس مجرد مغامرة، بل تأملًا فلسفيًا في الطبيعة البشرية.
نأتي لنقطة الاخراج حيث يصل ليوني هنا إلى قمة نضجه الفني، مستخدمًا لقطات طويلة مذهلة، زوم درامي على العيون والأيدي ليبني توترًا نفسيًا يصل إلى حد الجنون، وإيقاعًا بطيئًا ينفجر فجأة في عنف أنيق. التصوير في صحراء ألميريا الإسبانية يمنح إحساسًا بالعظمة والعزلة القاسية، مع بناء مقبرة خاصة (ساد هيل) للمواجهة النهائية، التي تُعد من أعظم مشاهد السينما: توتر يمتد لدقائق طويلة مع موسيقى موريكوني، قبل أن ينتهي في ثوانٍ. الفيلم يجمع بين الملحمية (معارك الحرب) و (علاقات الشخصيات)، مقارنًا بـ”لورنس العرب” في التركيز على الفرد وسط المشهد الكبير. ليوني يحول الويسترن إلى فن نقي، مستخدمًا الشاشة العريضة ليخلق عالمًا من الخراب، ويبني على أخطاء الإنتاج المنخفض الميزانية (مثل الاستمرارية) ليصنع فنًا يتجاوزها.
الشخصيات: ثلاثية قوية متناقضة ومعقدة نفسيًا

- بلوندي (كلينت إيستوود): “الجيد”، لكنه ليس بطلاً تقليديًا؛ بارد، ساخر، ذكي، يجسد “الرجل بلا اسم” بكمال أكبر من الأجزاء السابقة. أداؤه أيقوني، يعتمد على الصمت والنظرات، ويكشف عن جانب إنساني في تعاطفه مع الجرحى، مما يجعله “جيدًا” نسبيًا في عالم فاسد.
- أنجل آيز (لي فان كليف): “السيئ”، شرير بارد ومخيف، يمثل الشر المطلق دون رحمة. أداؤه مرعب، مع عيون زرقاء حادة، ويختفي لفترات ليبني توترًا، لكنه يجسد الجانب الوحشي في الإنسانية.
- توكو (إيلي والاش): “القبيح”، كوميدي فوضوي لكنه عميق ومؤثر؛ يسرق الأضواء بأداء عبقري يجمع الضحك والألم، مع خلفية شخصية (أخ كاهن) تضيف طبقات نفسية. هو الجانب الإنساني الأكثر صدقًا، يمثل البقاء في الفوضى.

الموسيقى التصويرية هنا هي الأعظم في تاريخ السينما، حيث يمزج موريكوني بين الصفير، الصراخ البشري، الجيتار الكهربائي، والأصوات الغريبة ليخلق عالمًا صوتيًا يعزز التوتر. اللحن الرئيسي (يشبه عواء الذئب) أصبح رمزًا عالميًا، وكل شخصية لها موتيف خاص: الفلوت للجيد، الأوكارينا للسيئ، الأصوات البشرية للقبيح. مقطوعة “نشوة الذهب” (The Ecstasy of Gold) تحفة مطلقة، تجعل المشاهد يشعر بالنشوة والتوتر معًا، وتُستخدم في أعمال أخرى مثل أفلام كوينتين تارانتينو. موريكوني كتبها قبل التصوير بناءً على وصف ليوني، مما يجعلها جزءًا أساسيًا من البناء الدرامي.

الفيلم يناقش الجشع كقوة مدمرة، والعبثية في الحرب كاختبار أخلاقي، مع رموز مثل الذهب (الفراغ البشري)، المقبرة (الموت الجماعي)، والحرب (الفوضى العبثية). ليوني يحتفي بالويسترن ويسخر منه، محولاً البطل إلى مضاد بطل، وينتقد الرومانسية الغربية باستخدام العنف كأداة جمالية. إنه ساتيرا (أي رؤية) على الرأسمالية والحرب، حيث يظهر كيف تكشف الفوضى عن الطبيعة الحقيقية للإنسان.

تصوير تونينو ديلي كولي مذهل، مع إضاءة قاسية وظلال درامية تعزز الخراب. الديكورات (مثل مقبرة ساد هيل) واقعية وملحمية، والأزياء تعكس الواقعية الخشنة للغرب المتوحش.
حقق الفيلم إيرادات عالمية تجاوزت 38.9 مليون دولار (مقابل ميزانية 1.2 مليون دولار)، وكان نجاحًا هائلاً في إيطاليا وأمريكا. التقييم الحالي على روتن توميتوز 97% (متوسط 8.8/10)، ويُعتبر كلاسيكيًا خالدًا. في البداية واجه انتقادات لعنفه، لكنه اليوم يُشاد به كأعظم ويسترن سباغيتي. من أبرز التعليقات:
- “أعظم الويسترن السباغيتي، ملحمة بقصة مذهلة، أداءات لا تُنسى، مناظر طبيعية خلابة، وموسيقى هاونتينغ” (روتن توميتوز).
- “موسيقى موريكوني الأفضل في مسيرته” (ذا تايمز).
- روجر إيبرت: “ساتيرا على الكليشيهات الويسترنية، يحول الرديء إلى فن”.
بالنهاية الفيلم عزز مكانة الويسترن السباغيتي، أثر في مخرجين مثل تارانتينو (الذي يعتبر إخراج ليوني الأفضل في التاريخ)، وأصبحت موسيقاه رمزًا ثقافيًا مستخدمًا في الإعلانات والأفلام. الفيلم يُشاهد مرارًا، يكشف تفاصيل جديدة في كل مرة، وغير الويسترن إلى الأبد بتحويله إلى نوع يجمع الملحمة بالسخرية، وسيظل تحفة لما قدمه ليوني من عبقرية بالاخراج و الأداءات الأيقونية، والموسيقى الخالدة، في قصة ملحمية تنتقد الحرب والجشع بتوتر يستمر حتى اللحظة الأخيرة. المواجهة النهائية و”نشوة الذهب” من أجمل ما أنجزته السينما. إنه تتويج الثلاثية، يتفوق على الأجزاء السابقة بعمقه، وأحد أعظم الأفلام في التاريخ، يستحق المشاهدة مرات لا تُحصى.

معلومات إضافية
- صُوّر معظمًه في إسبانيا، مع مشاهد خطرة حقيقية وبناء مقبرة خاصة.
- أجر إيستوود ارتفع كثيرًا بعد الجزأين السابقين.
- موريكوني كتب الموسيقى قبل التصوير.
- مُرمم ومتوفر بنسخ 4K عالية الجودة.


أضف تعليق