سيرجيو ليوني، العبقري الإيطالي الذي أعاد صياغة فن الويسترن بأسلوبه الفريد، يطلق في عام 1964 فيلمه قبضة من دولارات (بالإيطالية: Per un pugno di dollari)، وهو العمل الذي أسس لنوع “الويسترن السباغيتي”، وأطلق نجمة كلينت إيستوود إلى العالمية، وأعاد تعريف الويسترن كنوع سينمائي جريء وعنيف. هذا الفيلم ليس مجرد قصة غرب أمريكي، بل هو تحية ساخرة ومبتكرة للنوع الكلاسيكي، مستوحى من فيلم أكيرا كوروساوا يوجيمبو، لكنه يحوله إلى ملحمة غربية مليئة بالصمت المشحون، الإطارات الطويلة، والموسيقى التي أصبحت أيقونية بفضل إنيو موريكوني. قبضة من دولارات هو البداية الأسطورية لثلاثية الدولارات، وتحفة أولى تُظهر عبقرية ليوني في تحويل ميزانية متواضعة إلى أسطورة سينمائية.

الفيلم يدور في بلدة حدودية مكسيكية صغيرة تُدعى سان ميغيل، حيث يصل رجل غريب بلا اسم (كلينت إيستوود)، يرتدي معطفًا ممزقًا (poncho) ويقضم سيجارًا، ليجد نفسه وسط صراع دامٍ بين عائلتين متنافستين: عائلة روخو (الأخوة دون ميغيل ورامون وإستيبان) وعائلة باكستر (الشريف جون باكستر وزوجته وابنه). يقرر الغريب استغلال الصراع لمصلحته الخاصة، فيبيع معلومات كاذبة، يثير المواجهات، ويجمع الدولارات من الجانبين، بينما ينقذ في الوقت ذاته امرأة مكسيكية تدعى ماريسول وابنها من قبضة رامون الوحشي. القصة بسيطة على السطح، لكنها مليئة بالخداع والانتقام والجشع، وتنتهي بمواجهة نهائية أسطورية تجعل الرجل بلا اسم يثبت أن الدولار والرصاص هما لغة العدل في هذا العالم الفاسد.

السيناريو: لعبة الخداع والجشع كتب ليوني السيناريو بالتعاون مع آخرين، مستلهمًا يوجيمبو لكوروساوا (الذي أدى إلى دعوى قضائية انتهت بتعويض كوروساوا بنسبة من الأرباح). السيناريو يعتمد على بنية بسيطة لكنها فعالة: الغريب يلعب الطرفين ضد بعضهما، مستغلًا الكراهية والطمع. الحوارات قليلة، والصمت يحتل مساحة كبيرة، مما يعطي الفيلم طابعًا أوبراليًا. ليوني يركز على الإيماءات، النظرات، والإيماءات الدقيقة بدلًا من الكلام الطويل. الشخصيات نمطية لكنها قوية: رامون روخو (جيان ماريا فولونتي) هو الشرير الذكي والوحشي الذي يفضل الرصاص في القلب، بينما الغريب هو البطل المضاد الذي لا يعرف الرحمة إلا مقابل دولارات. الفيلم يناقش الجشع والعنف في الغرب المتوحش، ويُعد نقدًا ساخرًا للأخلاق الأمريكية الكلاسيكية في الويسترن التقليدي.
الإخراج: ولادة أسلوب ليوني ليوني يُظهر في هذا الفيلم الأول نضجًا مذهلاً رغم ميزانية ضئيلة (حوالي 200,000 دولار أمريكي). التصوير في صحراء ألميريا الإسبانية يعطي إحساسًا بالعزلة والقسوة. ليوني يبتكر الإطارات الطويلة الشهيرة (extreme close-ups) على الوجوه، العيون، والأيدي قرب المسدسات، مما يبني توترًا نفسيًا هائلاً قبل كل إطلاق نار. المشهد الافتتاحي حيث يقتل الغريب أربعة رجال في ثوانٍ هو تحفة في الإيقاع والأسلوب. مشهد الحرق، ومشهد التعذيب، ومواجهة النهاية كلها تُصور بطريقة مسرحية وعنيفة تجعل الفيلم يبدو كأوبرا دموية. ليوني حوّل الغرب إلى مسرح أسطوري، بعيدًا عن الرومانسية الهوليوودية.

الشخصيات: الرجل بلا اسم كلينت إيستوود يقدم هنا أداءً أيقونيًا كـ”الرجل بلا اسم” (أو جو)، الغريب البارد، قليل الكلام، سريع اليد، يحمل مسدسًا ويحسب كل خطوة. الـponcho، السيجار، القبعة، النظرات المحدقة… كلها أصبحت رموزًا سينمائية. جيان ماريا فولونتي يقدم رامون روخو كشرير كاريزمي وخطير، بينما ماريان كوخ في دور ماريسول تضيف لمسة إنسانية نادرة في عالم الجشع.

الموسيقى: إنيو موريكوني يخلق الأسطورة الموسيقى التصويرية لإنيو موريكوني هي النجم الحقيقي بعد إيستوود. اللحن الرئيسي، مع الصفير والجرس والصراخ الإنساني والغيتار الكهربائي، أعاد تعريف موسيقى الويسترن. موريكوني مزج الأصوات الخام مع الأوركسترا ليخلق جوًا متوترًا وملحميًا. هذه الموسيقى أصبحت واحدة من أكثر المقطوعات شهرة في تاريخ السينما.

الرمزية والتأثيرات الفيلم يرمز إلى عالم يحكمه الطمع والقوة، حيث لا مكان للأخلاق التقليدية. الغريب هو الـ”رونين” الياباني في الغرب، يخدم نفسه فقط. الفيلم مستوحى من يوجيمبو، لكنه يضيف لمسة إيطالية ساخرة وعنيفة.
الأداء الفني والتقني التصوير بقيادة ماسيمو دالامانو مذهل في الصحراء الإسبانية. الإضاءة القاسية والظلال تعزز التوتر. التحرير يركز على الإيقاع البطيء ثم الانفجار المفاجئ.
الاستقبال النقدي والتجاري عند الإصدار في إيطاليا عام 1964، واجه انتقادات حادة من النقاد الإيطاليين، لكنه حقق نجاحًا تجاريًا هائلاً (أكثر من 2.7 مليار ليرة إيطالية). في أمريكا عام 1967، حقق إيرادات تجاوزت 14.5 مليون دولار أمريكي (مع ميزانية 200,000 دولار). التقييم الحالي على Rotten Tomatoes 98% من النقاد (متوسط 8.3/10)، ويُصنف ضمن أفضل 10 ويسترن في التاريخ. النقاد اليوم يرونه عملًا ثوريًا أعاد إحياء النوع.
من أبرز تعليقات النقاد:
- “فيلم أحدث ثورة في الويسترن، وجعل كلينت إيستوود أيقونة” (روتن توميتوز).
- “البانك روك لأفلام الويسترن” (الغارديان).
- “أعظم إنجاز في تاريخ السينما” (كوينتن تارانتينو).
تأثير الفيلم وإرثه أطلق قبضة من دولارات موجة الويسترن السباغيتي، وجعل كلينت إيستوود نجمًا عالميًا، وأسس تعاون ليوني-موريكوني-إيستوود. الفيلم أثر في أجيال من المخرجين، من تارانتينو إلى رودريغيز. إنه البداية لثلاثية أسطورية غيرت السينما إلى الأبد.
لماذا يُعد قبضة من دولارات أسطوريًا؟ لأنه حوّل ميزانية صغيرة وموقعًا صحراويًا إلى أسطورة بصرية وصوتية. الرجل بلا اسم، الموسيقى، الإطارات الطويلة، العنف الأنيق… كلها عناصر جعلت الفيلم خالدًا. شخصيًا، كلما شاهدته أجد فيه شيئًا جديدًا: نظرة إيستوود، لحن موريكوني، توتر ليوني. إنه الفيلم الذي يجعلك تحب الويسترن من جديد.
معلومات إضافية
- صُوّر في سبعة أسابيع في صحراء ألميريا بإسبانيا.
- كلينت إيستوود حصل على 15,000 دولار فقط.
- ليوني اقترح الدور على هنري فوندا وتشارلز برونسون قبل إيستوود.
- الفيلم أدى إلى دعوى من كوروساوا، وحصل على نسبة من الأرباح.
- الموسيقى بيعت ملايين النسخ.


أضف تعليق