فيلم “Killer’s Kiss” لعام 1955، الذي يُعد التجربة الإخراجية الثانية للمخرج والمؤلف الراحل ستانلي كوبريك بعد فيلمه الأول “Fear and Desire” عام 1953، يقدم لنا عملاً نوارياً ممتازاً يعكس بدايات عبقرية كوبريك في صناعة الأفلام. يبدأ الفيلم في محطة قطار بولاية نيويورك، حيث يقف الملاكم الشاب غوردن ديفي (جيمي سميث) بانتظار القطار، ويبدأ في تذكر الأيام القليلة الماضية التي غيرت حياته. ينتقل السرد سريعاً إلى ذكرياته، فنرى غلوريا (إيرين كين)، الشابة الجذابة التي تعيش في الشقة المقابلة لشقته، وهي تظهر كشخصية محورية في القصة. في البداية، يبدو أن وقوفه في المحطة يعود إلى رحلة عائلية بسيطة، لكن سرعان ما نكتشف أن الأحداث الأخيرة هي السبب الحقيقي.

يستعد غوردن لخوض نزال ملاكمة أخير في مسيرته، وأثناء نزوله من الحلبة يصادف غلوريا مع صديقها رابلو (فرانك سيلفرا)، الذي يتبين أنه رجل عصابات قاسٍ يدير نادي رقص. يشاهد غوردن من نافذته المقابلة مشكلة تحدث بين غلوريا ورابلو، فيهرع لمساعدتها، مما ينمو بينهما علاقة عاطفية سريعة خلال يومين فقط، مليئة بالتوتر والجاذبية. تتطور الأحداث لتكشف عن صراع يدور حول غلوريا كمحور رئيسي للخلاف بين الرجلين، غوردن ورابلو، حيث يتحول النزاع من شخصي إلى عنيف، ويصل إلى ذروته في مطاردة مثيرة عبر شوارع نيويورك.

ما يميز هذا الفيلم بشكل استثنائي هو التصوير العبقري الذي يظهر بوضوح موهبة كوبريك المبكرة كمصور سينمائي. مشهد شهير يبرز ذلك هو محادثة غوردن بالهاتف بجانب المرآة، حيث تظهر غلوريا في النافذة المقابلة، وهو مشهد يجمع بين الإضاءة الدرامية والمونتاج الحديث الذي طبق كوبريك قبل ظهور البرامج المتطورة، مما يخلق توتراً بصرياً مذهلاً. كذلك، مشاهد الملاكمة في الحلبة مصورة بطريقة واقعية وحماسية، مستفيدة من خلفية كوبريك كمصور للمباريات، ومشهد الباليه الذي يضيف لمسة فنية رقيقة، وقد اقتبست أفلام لاحقة طريقة تصويره بشكل ملحوظ، خاصة في مشاهد الملاكمة التي أثرت على أعمال مثل “Rocky” فيما بعد.
الخاتمة خيالية ومبتكرة، إذ تنتهي المواجهة النهائية بين غوردن ورابلو في مخزن مجسمات عارضات أزياء، حيث تتحول المبارزة إلى قتال بين التماثيل الخشبية، مما يضيف طبقة من السخرية والرمزية إلى النهاية، ويعكس براعة كوبريك في تحويل المألوف إلى شيء غير متوقع. الفيلم، رغم كونه تجربة مبكرة ومنخفضة الميزانية، يحمل طابعاً نوارياً كلاسيكياً مع لمسات شخصية تجعله يبرز كعمل ممتاز، يجمع بين التشويق والعمق العاطفي، ويظهر كيف بدأ كوبريك رحلته نحو التميز.


أضف تعليق